|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
ناظم زغير التورنجي
2026 / 1 / 7
الوطن والطاغية والأمبريالية:
تفكيك الالتباس الأخلاقي والسياسي في زمن الهيمنة
1. مغالطة الخلط بين الوطن والحاكم
من أخطر المغالطات التي ترسّخت في الوعي السياسي( العربي عموما والعراقي خصوصا ) – وتُستدعى كلما سقط طاغية أو أُهين – هي مساواة الوطن بالحاكم، وكأن الدولة تختزل في شخص، والتاريخ في صورة، والناس في تمثال.
هذا الخلط ليس بريئًا، بل هو نتاج مباشر لخطاب سلطوي عمل عقودًا على ربط بقاء الوطن ببقاء الحاكم، وتحويل أي نقد للطغيان إلى خيانة، وأي شماتة بسقوطه إلى عداء للشعب.
الحقيقة البسيطة التي يجري طمسها عمدًا:
الأوطان لا تُهان بسقوط جلاديها، بل تُستعاد.
والشعوب لا تُذل حين يُسحب الطغاة من أوكارهم، بل حين يُطلب منها البكاء عليهم بوصفهم “رموز سيادة”.
لقد عانى العراقيون – كما غيرهم – من هذا الابتزاز الأخلاقي:
صدام لم يكن “العراق”، بل كان كارثة حلّت بالعراق.
كما لم يكن القذافي “ليبيا”، ولا بشار “سوريا”.
الخلط المتعمد بين الاثنين هو آخر أسلحة الطغيان بعد سقوطه.
2. الشماتة بالطاغية ليست ولاءً للإمبريالية
الزعم بأن الفرح بسقوط طاغية أو إذلاله يعني تلقائيًا الانحياز إلى الولايات المتحدة هو تبسيط أيديولوجي فجّ، يختصر العالم في ثنائية ساذجة:
إما مع الطاغية، أو مع الإمبريالية.
هذا المنطق يُجبر الضحية على خيار مستحيل:
إما أن تحب جلادك كي تثبت وطنيتك،
أو تُتّهم بالعمالة إن ابتسمت لنهايته.
الفرح بسقوط صدام، أو القذافي، أو أي طاغية، هو فعل أخلاقي شخصي قبل أن يكون موقفًا سياسيًا.
هو فرح نابع من ذاكرة السجون، والمقابر الجماعية، والحروب العبثية، والسبي، والإعدامات، وتحطيم المجتمع.
ليس مطلوبًا من الضحية أن تحزن لأن القاتل لم يسقط “بأيدٍ محلية خالصة”،
ولا أن تؤجل عدالته إلى أجل غير مسمى كي لا تُحرج النظريات الكبرى.
3. الإمبريالية الأمريكية: عدوان لا يُبرَّر ولا يُنكر
في المقابل، فإن تفنيد هذا الخلط لا يعني تبرئة الولايات المتحدة أو منحها صك أخلاق.
النهج الأمريكي في السياسة الخارجية عدواني، نفعي، انتقائي تخريبي، يقوم على:
1- فرض أنظمة موالية لا ديمقراطية
2- إسقاط طغاة فقط حين يصبحون عبئًا
3- تجاهل أفظع الديكتاتوريات إن كانت “مفيدة”
4- تسويق الحروب بوصفها مشاريع تحرير
الولايات المتحدة لا تقيس الديمقراطية بميزان الحقوق، بل بميزان المصالح.والولاء او اللاعدوانيةضده
وهي مستعدة لدعم أكثر الأنظمة وحشية، ما دامت تضمن لها النفط، القواعد، الأسواق، أو الاستقرار الزائف.
العراق بعد 2003، وأفغانستان، وأمريكا اللاتينية، شواهد حيّة على أن إسقاط طاغية لا يعني بناء دولة، وأن الاحتلال لا يُنتج حرية، بل فوضى مُدارة.
4. نقد الطغيان ونقد الإمبريالية: موقفان لا يتناقضان
المعضلة الحقيقية ليست في الموقف، بل في العقل العقائدي الذي لا يحتمل التعقيد.
يمكن – بل يجب – أن تقول:
- نعم، صدام كان مجرمًا، وسقوطه كان لحظة عدالة رمزية.
- ونعم، الولايات المتحدة قوة إمبريالية لا تحمل مشروع تحرر حقيقي.
هاتان الجملتان لا تنفي إحداهما الأخرى، إلا في ذهن أيديولوجي عاجز عن التفكير المركّب.
اليسار الذي يُطالب الضحايا بالصمت عن جلاديهم بحجة “المعسكرات” و”التوازنات الدولية”،
هو يسار فقد بوصلته الأخلاقية،
وتحوّل من مشروع تحرر إنساني إلى جهاز تبرير للطغيان ما دام يرفع شعارًا معاديًا لأمريكا.
5. الطغاة المحليون: الوجه الآخر للإمبريالية
الأكثر سخرية أن كثيرًا من الطغاة الذين يُقدَّمون اليوم كرموز “سيادة وطنية”
هم في الحقيقة نتاج علاقات دولية مشبوهة،
وصولًا إلى لحظة تمردهم على راعيهم السابق.
الطاغية لا يعادي الإمبريالية ليس لأنه غير تقدمي،
بل لأنه يريد أن يكون _(إمبرياليًا صغيرًا !) داخل حدوده.
ولهذا، فإن الدفاع عن هؤلاء باسم “مناهضة أمريكا”
ليس سوى استبدال سيّد بآخر، وسجن كبير بسجن أصغر.
خاتمة: المعيار الأخلاقي أولًا
الموقف السليم لا يبدأ من واشنطن ولا من موسكو،
بل من الضحية.
- من السجين
- من الأم التي لم تجد قبر ابنها
- من المجتمع الذي سُحق باسم القائد الخالد
من حق هؤلاء أن يفرحوا بسقوط جلاديهم،
ومن حقهم في الوقت ذاته أن يرفضوا الهيمنة الأجنبية.
أما مطالبتهم بالاختيار بين جلادهم المحلي وجلاد عالمي،
فهي أكثر أشكال الابتزاز السياسي وقاحة.
التحرر الحقيقي يبدأ حين نكسر هذه الثنائية الكاذبة،
ونعيد الاعتبار لجوهر الفكرة:
الإنسان قبل الأيديولوجيا، والوطن قبل الحاكم، والعدالة قبل المعسكرات.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |