|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
ناظم زغير التورنجي
2026 / 1 / 5
واقفة نقدية تحليلية للفجوة بين التنظير والممارسة لمرحلة مابعد الغزو والأحتلال الأمريكي لوطننا
مقدمة
يمثّل الحزب الشيوعي العراقي واحدًا من أقدم الأحزاب السياسية في المنطقة العربية، وقد ارتبط تاريخه ارتباطًا وثيقًا بالفكر الماركسي بوصفه إطارًا نظريًا ومنهجيًا لتحليل الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. غير أنّ التحولات البنيوية التي شهدها العراق منذ 2003، إلى جانب المتغيرات العالمية وانهيار النماذج الاشتراكية الكلاسيكية، طرحت تساؤلات جوهرية حول مدى انسجام الخطاب الماركسي المعلن للحزب مع ممارساته السياسية الفعلية.
وقفتي هذه تهدف إلى تحليل الفجوات بين الادعاء النظري الماركسي والواقع العملي للحزب الشيوعي العراقي في المرحلة الراهنة، دون الوقوع في التبسيط أو التعميم الإيديولوجي.
أولًا: الماركسية في الخطاب النظري للحزب
يؤكد الحزب الشيوعي العراقي في وثائقه وبرامجه السياسية التزامه بالمبادئ العامة للماركسية، لا سيما:
• التحليل الطبقي للمجتمع
• مركزية الصراع الاجتماعي
• نقد الرأسمالية والنيوليبرالية
• الدفاع عن العدالة الاجتماعية وحقوق الطبقة العاملة والكادحين
كما يطرح الحزب مفهوم "الدولة المدنية الديمقراطية" بوصفه صيغة انتقالية في الواقع العراقي، مع التأكيد على رفض الطائفية السياسية والمحاصصة.
الإشكالية النظرية
رغم هذا الخطاب، فإن الماركسية المطروحة غالبًا ما تأتي بصيغة عامة تجريدية، تفتقر إلى:
- تحليل ملموس لطبيعة الرأسمالية العراقية الريعية
- تحديد واضح للطبقات الاجتماعية الفاعلة بعد 2003
- تصور عملي لدور الحزب كتنظيم طبقي لا كقوة مدنية عامة فقط
ثانيًا: الممارسة السياسية في الواقع العراقي
1. التحالفات السياسية
دخل الحزب الشيوعي العراقي في تحالفات انتخابية مع قوى غير ماركسية، بل وحتى مع قوى ليبرالية أو ذات جذور دينية، تحت شعار "المرحلة الديمقراطية" أو "تقليل الخسائر".
الفجوة هنا:
- تنظيريًا: ترفض الماركسية التحالفات التي تذيب الاستقلال الطبقي.
- عمليًا: شارك الحزب في تحالفات ضبابية البرامج، أضعفت هويته الطبقية، وأربكت قاعدته الاجتماعية.
2. الموقف من الدولة والسلطة
يتبنى الحزب خطابًا نقديًا للدولة الريعية والفساد، لكنه في الممارسة:
• لم يطوّر استراتيجية واضحة لمواجهة بنية الدولة العميقة
• اكتفى غالبًا بدور المعارضة الأخلاقية لا المعارضة الطبقية المنظمة
وهذا يتناقض مع المنهج الماركسي الذي يرى الدولة أداة طبقية لا حياد لها.
ثالثًا: الطبقة العاملة بين الشعار والواقع
غياب التنظيم الطبقي
رغم رفع شعارات الدفاع عن العمال والكادحين، يعاني الحزب من:
- ضعف حضوره في مواقع العمل والإنتاج
- غياب النقابات الفاعلة المرتبطة به
- تحوّل جمهوره إلى فئات وسطى مثقفة أكثر من كونه قاعدة عمالية منظمة
الفجوة الجوهرية:
- نظريًا: الطبقة العاملة هي القوة المحركة للتغيير.
-عمليًا: الحزب يعمل في فضاء مدني عام دون أدوات صراع طبقي حقيقية.
رابعًا: إشكالية “الواقعية السياسية”
يبرر الحزب كثيرًا من تناقضاته تحت عنوان "الواقعية" و"خصوصية المرحلة".
غير أن هذه الواقعية تحوّلت في كثير من الأحيان إلى:
- تكيّف مع ميزان قوى مختل
- تخفيف حدة الخطاب الطبقي
- استبدال الماركسية النقدية بخطاب إصلاحي ليبرالي جزئي
وهنا تظهر فجوة خطيرة بين المنهج الجدلي الثوري والممارسة الإصلاحية المحدودة.
خامسًا: أزمة الهوية الماركسية
يمكن القول إن الحزب يعيش أزمة مزدوجة:
1. -أزمة نظرية: عدم تجديد الماركسية بما يتناسب مع واقع اقتصاد ريعي-طائفي.
2. -أزمة تنظيمية: تراجع الفعل الجماهيري وتحول الحزب إلى نخبة سياسية محدودة التأثير.
هذه الأزمة جعلت الماركسية في الخطاب أقرب إلى مرجعية أخلاقية منها إلى أداة تحليل وتغيير.
الخلاصة
تكشف وقفتي هذه عن فجوة بنيوية بين التنظير الماركسي والممارسة السياسية للحزب الشيوعي العراقي في المرحلة الراهنة. فبينما يستمر الحزب في إعلان التزامه بالماركسية، فإن ممارساته العملية تعكس تراجعًا عن جوهرها الطبقي الثوري لصالح خطاب مدني إصلاحي عام.
إن تجاوز هذه الفجوة يتطلب:
- إعادة قراءة نقدية للواقع العراقي من منظور ماركسي ملموس
- استعادة الاستقلال الطبقي في الخطاب والممارسة
- بناء تنظيم اجتماعي حقيقي لا يكتفي بالحضور الرمزي
بدون ذلك، ستبقى الماركسية في تجربة الحزب شعارًا نظريًا منفصلًا عن الواقع أكثر من كونها مشروعًا للتغيير الاجتماعي.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |