بين غزو العراق 2003 والتدخل الأمريكي الحالي في فنزويلا

ناظم زغير التورنجي
2026 / 1 / 4

حبل سري لمصالح الشركات النفطية وشراهتها
أبوحازم التورنجي
الإمبريالية حين تغيّر الأقنعة
لم يكن غزو العراق عام 2003، ولا ما تتعرض له فنزويلا في عهد ترامب، حوادث معزولة أو أخطاء في التقدير السياسي، بل تجليات صريحة لمنطق إمبريالي ثابت في السياسة الخارجية الأمريكية، يتبدل فيه الخطاب وتبقى الغاية واحدة: إخضاع( الدول المتمرّدة )على الهيمنة، ونهب مواردها، وإعادة هندسة أنظمتها السياسية بما يخدم مصالح رأس المال الأمريكي. ما تغيّر هو القناع ؛ من «أسلحة الدمار الشامل» إلى «المخدرات والديمقراطية»، أما الجوهر فواحد: القوة فوق القانون.
أولًا: الذرائع بوصفها أكاذيب مؤسسة
العراق: الكذبة الكبرى
في العراق، لم تكن أسلحة الدمار الشامل سوى أكذوبة مصنّعة بعناية داخل مختبرات الاستخبارات الأمريكية والبريطانية، سُوّقت عالميًا لتبرير عدوان عسكري شامل. وحين سقطت الكذبة، لم يُحاسَب أحد، لأن الإمبريالية لا تعتذر عن جرائمها، بل تمضي قدمًا فوق الأنقاض.
فنزويلا: شيطنة الدولة
في فنزويلا، استُبدلت الكذبة بأخرى: «دولة مخدرات» و«نظام فاسد». لم يعد المطلوب اختلاق خطر نووي، بل شيطنة الدولة وقيادتها تمهيدًا لخنقها اقتصاديًا وعزلها سياسيًا، وصولًا إلى إسقاطها إن أمكن.
الخلاصة: الذريعة ليست سوى أداة دعائية، تُفصّل حسب الظرف، لتضليل الرأي العام وإضفاء شرعية زائفة على العدوان.

ثانيًا: النفط ورأس المال – المحرك الحقيقي
نهب الموارد
العراق وفنزويلا يشتركان في «خطيئة» واحدة: امتلاك ثروات نفطية هائلة خارج السيطرة الأمريكية الكاملة. لذلك كان لا بد من كسر إرادتهما.
- في العراق: جرى فتح البلاد أمام شركات النفط الأمريكية تحت حراب الاحتلال.
- في فنزويلا: يُراد إخضاع الدولة لإعادة خصخصة النفط وتسليمه للشركات العابرة للقوميات.
كسر النماذج المتمردة
• العراق كان يمثل دولة مستقلة نسبيًا في قرارها النفطي.
• فنزويلا مثّلت نموذجًا يساريًا حاول توظيف الثروة لصالح الفقراء، خارج وصفات صندوق النقد الدولي.
وهنا يكمن جوهر العداء: ليس الدكتاتورية ولا المخدرات، بل الخروج عن بيت الطاعة الإمبريالي.
ثالثًا: أدوات الهيمنة – من الاحتلال إلى الخنق البطيء
1. العراق: التدمير الشامل
استخدمت واشنطن أقصى درجات العنف:
• غزو عسكري
• احتلال مباشر
• تفكيك الدولة والجيش
• إشعال الانقسامات الطائفية
كانت النتيجة بلدًا محطّمًا، ومجتمعًا مكسورًا، وفوضى ما زالت مستمرة.
2. فنزويلا: الحرب الاقتصادية
تعلمت الإمبريالية من كلفة الاحتلال، فاختارت أدوات أقل ضجيجًا وأكثر خبثًا:
عقوبات تجويع جماعي،حصار مالي ،تخريب العملة ،دعم الانقلابات الناعمة والخشنة
الفرق شكلي، أما الجوهر فواحد: إخضاع الشعوب عبر الألم.
رابعًا: التحول الدولي وحدود القوة الأمريكية
عام 2003، كانت الولايات المتحدة تتصرف كإمبراطورية بلا كوابح. أما اليوم، فهي قوة مأزومة تواجه:
صعود الصين، عودة روسيا،تراجع الهيمنة الأخلاقية والسياسية
لذلك لم تستطع تكرار سيناريو العراق في فنزويلا، واكتفت بحرب استنزاف طويلة، تعكس خوفها لا قوتها.
خامسًا: النتائج – فشل إمبريالي متكرر
العراق
1-دولة فاشلة
2-ملايين الضحايا
3-نهب الثروات
4-ديمقراطية زائفة تحت حراب الاحتلال
فنزويلا
1-معاناة شعبية حادة بفعل الحصار
2-صمود الدولة رغم الاختناق
3-فشل مشروع إسقاط النظام
في الحالتين، سقط الادعاء الأمريكي بإحلال الديمقراطية، وبقيت الحقيقة: الإمبريالية لا تبني، بل تدمّر.
دروس الدم والحصار
تكشف المقارنة بين العراق وفنزويلا أن السياسة الخارجية الأمريكية ليست سياسة أخطاء، بل سياسة جرائم ممنهجة. تتغير الإدارات، من بوش إلى ترامب، لكن الإمبريالية ثابتة، لا ترى في الشعوب سوى عوائق أمام الربح، ولا في السيادة سوى تفصيل يمكن سحقه.
إن العراق كان درسًا دمويًا، وفنزويلا درس حصار وتجويع، وكلاهما شاهدان على نظام عالمي لا يزال يبيح للقوة أن تكتب القانون. غير أن تعثّر واشنطن في فنزويلا يشير إلى حقيقة جديدة: الإمبراطورية لم تعد مطلقة اليد، وإن كانت لا تزال شديدة الخطورة.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي