|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
كاظم حسن سعيد
2026 / 1 / 4
إزاحة الدلالة الزمنية بين الحاضروالماضي.
((تمكنت الكاتبة لامية عويسات من تسليط إضاءة معمقة عبر قراءة نقدية لنص ( بعد شيخوخة الجسد) ،))
في عالم النصوص الأدبية، يظل الجسد والذاكرة مرآتين للزمن ولتراكم التجارب، حيث لا تنفصل مشاعر الماضي عن حاضر الإنسان، ولا تختفي انعكاسات الحنين عن وطأة الواقع.
في نص "بعد شيخوخة الجسد" نلتقي بمشهد يومي بسيط على سطح المدينة، لكنه يحمل في ثناياه وحدة عضوية، وحدة تكثف التاريخ النفسي والجسدي لشخصين عبرا مراحل العمر المختلفة، لتصبح كل حركة ونظرة وصرخة صامتة رمزا لإيقاع الحياة بعد تراكم الصراعات والتوترات.
الاستاذ كاظم في نصه لا يسعى إلى سرد حبكة درامية أو إلى تقديم قصة تقليدية، بل يعتمد على الومضة الشعرية في سرد التجربة الإنسانية، حيث تتداخل الرموز والإشارات والانزياحات الزمنية والتكرارات لتكون نسيجا لغويا نفسيا غنيا بالمعنى، يعكس مفارقات الجسد المتعب والروح المتيقظة والذاكرة المستمرة.
النص يبرز وحدة التجربة من خلال التركيز على حياة يومية متشابكة بين شخصين تجمعهما ذاكرة الماضي والصراع مع الشيخوخة الجسدية: "هو عبر الثلاثين، هي تجاوزت الخمسين… نشطا يبكر لمحله، تستقر وهي تراقب جسدها خشية النكسات الصحية"
الجملة تمثل تجانس المشهد النفسي والزماني والمكاني، فتخلق وحدة الجو النفسي المزدوج بين اليقظة والخوف بين النشاط والضعف، وهو ما ينسجم مع التعريف كنسيج متماسك بين الفعل والوجود.
النص ينجح في إزاحة الدلالة الزمنية بين الحاضر والماضي:
الحاضر في الروتين اليومي ومراقبة الجسد كذلك الحذر من الألم أو الانكسار: "تستقر وهي تراقب جسدها… تدعو شبه مشرد…"
ثم الماضي: الزوابع، والعصي كذا الانفعال الذي كان سائدا: "كانت الزوابع بينهما تجري قبل عشر سنين، كانت لا ترتوي حتى يسوط جسدها بعصاه"
الانزياح هنا مثل آلية سمحت للنص بالتحكم في تدفق الذاكرة، وأضفى كثافة على التجربة الشعورية.
إعتمد أ. كاظم أكثر على الرموز والإشارات فالنص غني بالرموز والإشارات الدقيقة:
كالجسد المتعب: رمز لتراكم الخبرة النفسية والجسدية ونهاية القوة البدنية.
ثم العصي والافتراس: كرموز للصراع القديم والانتصار المبكر للهيمنة، والذاكرة المؤلمة: "كانت لا ترتوي حتى يسوط جسدها بعصاه…"
ثم النظرات: كإشارات للحذر، للمتابعة الصامتة، ولتأكيد الانكسار النفسي: "عينان محدقات بالأجساد الأنثوية التي تتسوق"
وبأنامل حذقة شدنا أكثر نحو نصه باعتماده الحذف والإيحاء: فالنص اعتمدهما لتكثيف التجربة: فلا توجد تفاصيل مباشرة عن العنف الجسدي القديم، بل لمّح إليها عبر الصور والرموز.
إستراتيجية منحت النص عمقا وتأويلا مفتوحا، ويضعنا كمتلقي في موقع الشاهد المتأمل الذي عاش وتداخل مع التجربة.
التكرار في هذا النص: "تتحاشاه… تنظر… تفكر" يكرّس صمت الجسد ويبرز التوتر النفسي.
أما التفاصيل الدقيقة مثل «السكّري، المتبضعات، العصي القديمة» فتعمل كمنمنمات على تمكين القارئ من الانغماس في المشهد والتفاعل النفسي معه.
اللغة في النص منسابة متدفقة، الجمل جاءت قصيرة ومتوسطة الطول تتحرك بين الماضي والحاضر سلسة، مع توشيح الصور وإضفاء الكثافة الدلالية: "كيف تجمدت الرعشة من النظرات فيها وتكلس الانفعال" هذه الجملة كثفت التجربة النفسية في صورة واحدة، وكذا عززت وحدة الجو النفسي للنص والتجربة.
نص بين أيدينا هو أقرب إلى القصيدة النثرية رمزية ووجودية اذ تحاكي صراع الجسد والذاكرة والروح
النص يفتح أمام القارئ فضاء واسعا للتأمل في آثار الزمن والشيخوخة والصراعات الداخلية، ويمثل نموذجا رائعا للقصيدة النثرية التي تلتقي فيها النفس بالزمن والجسد والتاريخ الشخصي.
نص يحتفى به فعلا👌
لامية عويسات
٢٠٢٦
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |