|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
ذياب فهد الطائي
2026 / 1 / 2
الفصل الثالث
كانَ الشَّيخُ مِجْبِل آل شُمَيْسٍ يَجْلِسُ أَمامَ المَضِيفِ على كُرْسِيٍّ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وعندَ ظَهْرِهِ وِسَادَةٌ مِنَ الصُّوفِ.
كانَ الجَميعُ قَدْ خَرَجُوا بَعْدَ تَناوُلِ القَهْوَةِ، وصُورَةُ القَمَرِ المُرْتَعِشِ تَنْعَكِسُ على صَفْحَةِ المَاءِ أَمامَهُ، في سُكُونٍ مُفْعَمٍ بِحَنِينٍ آخاذٍ يَمْلَأُ جَوانِحَهُ.
طَلَبَ مِنَ المُشْتَغِلِ على وَجارِ القَهْوَةِ أنْ يَسْتَدْعِيَ فَرْطُوسًا لِيَعْزِفَ على النَّايِ بِطَرِيقَتِهِ العَذْبَةِ والحَزِينَةِ، فَقَدْ كانَ ما يَمْلأُ ناظِرَيْهِ يَجْعَلُهُ يَشْعُرُ كَأنَّ الرِّيحَ تَهْمِسُ، والمَاءَ يَكْتُبُ أَبْيَاتًا على القَصَبِ.
أَمامَهُ اتَّسَعَتِ المِيَاهُ كَامْتِدادٍ لِرُوحِهِ، وحَوْلَهُ تَوَاطَأَ الصَّمْتُ مَعَ الفَرَاغِ.
لَمْ يَكُنْ بِحَاجَةٍ إلى كَلِمَاتٍ، فَقَطْ إلى نَايٍ يَبْكِي عَنْهُ، يُرْوِي لِلْحَيَاةِ ما لَمْ يَعُدْ يَجِدُ لَهُ مَعْنًى.
كانَ في سُكُونِهِ حِوَارٌ صَامِتٌ بَيْنَ القَلْبِ والمَاءِ.
قالَ الشَّيخُ مِجْبِل:
ـ جَوْهَر، وأَنْتَ تَعُودُ أَخْبِرْ هَيَّالًا أَنِّي أُرِيدُهُ.
بَعْدَ بُضْعِ دَقَائِقَ، كَانَ فَرْطُوسٌ وهَيَّالٌ أَمَامَهُ.
يَشْغَلُهُ هَاجِسٌ، ويَبْدُو مَهْمُومًا، تَتَمَلَّكُهُ تَسَاؤُلَاتٌ لَمْ يَتَوَصَّلْ إلى جَوَابِهَا.
في الأَشْهُرِ الثَّلاثَةِ المُنْصَرِمَةِ، كَانَ يُرَاقِبُ هَيَّالًا وَهُوَ يَعْمَلُ بِجُهُودٍ حَثِيثَةٍ لِإِكْمَالِ بِنَاءِ البَيْتِ، وأَحْيَانًا يَتْرُكُ أَوْلادَهُ يُوَاصِلُونَ العَمَلَ وَيَنْتَقِلُ هُوَ إلى تَنْظِيفِ الأَرْضِ الَّتِي أَكْمَلَ وَضْعَ حُدُودِهَا.
كَانَتْ تَنْتَشِرُ على مِسَاحَتِهَا نَبَاتَاتُ العَوْسَجِ وبَعْضُ نباتات الصبار الَّتِي تَتَحَمَّلُ مُلُوحَةَ التُّرْبَةِ وَشُحَّ المِيَاهِ ،
كان صوتُ النَّايِ يخرجُ من عُمقِ الصَّمتِ، كأنَّهُ تَنهيدةُ روحٍ ضاقتْ بما في قلبِها من وجَعٍ. يَتسلَّلُ اللَّحنُ الحزينُ بخفَّةِ النَّسيمِ في ليلٍ ساكنٍ، فيُوقظُ الذكرياتِ النَّائمةَ على ضِفافِ القلب. كلُّ نغمةٍ فيه تُشبهُ خُطوةَ حنينٍ نحوَ ماضٍ بعيدٍ، وكلُّ وقفةٍ بينَ الأنغامِ تُشبهُ شَهقةَ بكاءٍ مكتومٍ ،
النَّايُ لا يُعزفُ لحنًا فحسب، بل يروي حكايةَ الفقدِ والانتظارِ، حكايةَ إنسانٍ جالسٍ في العتمة، يُصغي إلى حُزنه وهو يتحوَّلُ إلى موسيقى
لحنًا ينسابُ برِفقٍ، يَعشِّشُ فوقَه حنينٌ حزينٌ ،
تذكَّرَ هيّالُ الطهمازيَّةَ... الأصدقاءَ... لياليَ رمضانَ، وحكاياتِ السِّندبادِ التي كان يقصُّها ملا حسن
تطلَّعَ نحوَ بيتِه الذي يقفُ وحيدًا، يلفُّه الظلامُ، ويتراقصُ من بعيدٍ ضوءٌ شاحبٌ لمِصباحٍ يتغذّى على الزَّيت.
توقَّفَ فَـرطوس ليستريح ، تولَّعَ بالناي منذُ صِغره؛ ففي العاشرةِ صنعَ «المُطْبَق» وهو نايٌ يعرفُه أهالي الأهوار، من قطعتي قَصَبٍ بطولِ ثلاثين سنتيمترًا تقريبًا، وبِدَلًا من القار الذي لم يحصلْ عليه، صنعَ مادّةً لاصقةً من قِمَعِ البامية، وعملَ خمسَةَ ثقوبٍ في كلِّ قطعةٍ،
-يَنبغي أن تكونَ فخورًا... البيتُ موضعُ إعجابِنا، والأرضُ البُورُ التي تُغطّيها طبقةٌ مِلحيّةٌ، ما شاءَ اللهُ، الحنطةُ أصبحتْ كَصيلًا، ومطرَةٌ خفيفةٌ كافيةٌ... صحيحٌ أنَّ هذا بتوفيقِ الله، ولكن لا بُدَّ من مُشتغِلٍ جادٍّ وصاحبِ خبرةٍ لتكونَ النتائجُ بهذا الشكل... المهمُّ، سأتحدَّثُ مباشرةً بما أريدُ
سَرَحَ هَيَّالٌ بنظرةٍ إلى كُتَلِ القَصَبِ وهي تهتزُّ بفعلِ رياحٍ شرقيّةٍ تُلامسُ الماءَ وتُداعبُ القصبَ، وفكَّرَ أنَّها مُقدِّماتٌ لا تُبعِثُ على الاطمئنان... هل يُريدُ الشيخُ مُجْبِلٌ أن يُشاركهُ في الأرضِ؟
أمَرَ الشيخُ مُجْبِلٌ جَوهْرً أن يُقدَّمَ القهوةُ، وأخرجَ لِفافةَ تبغٍ من عُلبةٍ ذهبيّةٍ
-لا... شكرًا.
-يَبدو أنِّي طوَّلتُ عليكَ السالفةَ. أرغبُ في أنْ يتزوَّجَ ابني صالحٌ من ابنتِكَ خديجة.
شَعَرَ هَيَّالٌ بالمفاجأةِ، لكنَّهُ تمالَكَ نفسَهُ واعتدلَ في جلستِهِ المُسترخية.
تابعَ الشيخُ مُجْبِل
صالحٌ هو ابني البِكر، وهذا يعني أنّهُ الوارثُ الرَّسميُّ لمشيخةِ آلِ شميس.
استغرقَ الإعدادُ للعُرسِ أسبوعين...
معَ أوَّلِ خيوطِ الشمسِ، بدأتِ الحركةُ تدِبُّ في القريةِ الصغيرةِ المقامةِ على مساحاتٍ متباعدةٍ فوقَ الماءِ، استعدادًا لعُرسِ صالح.
النساءُ منذُ الصباحِ الباكرِ في حركةٍ دؤوبةٍ؛ بعضُهنَّ يخبزنَ في التَّنورِ، وأُخرياتٌ يُجهِّزنَ اللحمَ والأرزَّ للضيوف.
في الساحةِ الواسعةِ أمامَ المضيفِ الكبيرِ للشيخِ مُجْبِل، فُرِشَتِ الحُصرُ والمفارشُ، ووُضِعَتِ الوسائدُ الصُّوفيةُ كمُتَّكَئاتٍ.
من بعيدٍ، كانتِ الزَّغاريدُ تتعالى من بيتِ العروسِ إعلانًا عن بدءِ مراسمِ الفرحِ.
الفتياتُ يُزيِّنَ بعضُهنَّ بالحنّاءِ، والأطفالُ يركضونَ في الماءِ يضحكونَ ويهتفونَ:اليومَ عُرسُ ابنِ الشيخ
قُبيلَ الظُّهرِ، بدأَ الضيوفُ بالتوافدِ من القُرى المجاورةِ، وأمامَ المضيفِ كانت تصطفُّ عشراتُ المشاحيفِ.
كانَ الرجالُ يتجمَّعونَ في المضيفِ لتبادلِ التحيّةِ وشُربِ القهوةِ العربيّةِ، فيما انشغلتِ النساءُ بتقديمِ الطَّعامِ في أوانٍ كبيرةٍ.
لم يكنْ أحدٌ يجلسُ طويلًا؛ فالجميعُ يُشاركونَ في الخدمةِ، وفي الضَّحكِ، وفي تجهيزِ كلِّ ما يلزمُ.
مَعَ غُروبِ الشَّمسِ، بَدأَ مَوكِبُ العَريسِ، تُصاحِبُهُ أصواتُ إطلاقِ الرَّصاصِ مِنَ المَسدَّساتِ وبَنادِقِ البِرنو.
خَرَجَ صالِحٌ مُحاطًا بِأصدِقائِهِ وأقارِبِهِ، والزَّغاريدُ تُدوِّي في الأرجاءِ. سَارَ المَوكِبُ على أنغامِ الدُّفوفِ والمُطبَّقِ.
في المَساءِ، أُضيءَ المَضيفُ بالفَوانيسِ والشُّموعِ الكَبيرةِ، وبَدأَ فَرطوسُ يُعزِفُ لَحنًا شجيًّا، ثُمَّ غنَّى عبدُ الرِّضا بصَوتٍ عَذْبٍ:
عَلَيكُم مِن سَلامِ الله .......... ورَحمَةٌ
وحَنَّ علَي كُلْبِ مَرَّة .......... ورَحمَةٌ
إذا رَايِدْ أجرًا أَنتَ .......... ورَحمَةٌ
تَعالْ أَنطِينِي بُوسَةً وحِنَّ علَيَّهْ
تَجاوَبَتْ صُفوفُ الرِّجالِ بِحَركاتٍ مُنسَجِمَةٍ على الإيقاعِ، والنِّساءُ يُصفِّقنَ مِن بَعيدٍ ويُغنِّينَ أغانِيَ قَديمَةً توارَثَتْها الجَدّاتُ.
كانَ الجَوُّ مَليئًا بالضَّحِكِ والبَهجَةِ، ورائحَةُ القَهوةِ والهالِ تَعبَقُ في المَكانِ.
اِستمرَّ العُرسُ حتّى وَقتٍ مُتأخِّرٍ مِنَ اللَّيلِ، قَبلَ أنْ يَبدَأَ النّاسُ بالمُغادَرَةِ وهُم يَتبادَلونَ الدَّعواتِ للعَروسَينِ بالسَّعادَةِ والذُّرِّيَّةِ الصّالِحَةِ.
ومَعَ هُدوءِ ما بَعدَ مُنتصَفِ اللَّيلِ، لَم يَبقَ سِوى أصواتٍ خافِتَةٍ لأطفالٍ لَم يَقتنِعوا بأنَّ الفَرحَ قَدِ انتَهى.
في اليومِ التّالِي، كانَ هَيّالٌ غَيرَ ما قَبلَ العُرسِ؛ كانَ النّاسُ في مَنطِقَةِ آلِ شَمْسِيٍّ يَحتَرِمونه، لكنَّهُم يَنظُرونَ إلَيهِ كضَيفٍ يُقيمُ بَينَ ظَهرانِيهم، أي إنَّهُ غَريبٌ.
ولكِنْ بَعدَ زَواجِ ابنتِهِ مِنَ الشَّيخِ صالِحٍ، أَصبَحَ مِن نَاسِ الأهوارِ، وبَدأَ التَّعامُلُ مَعَهُ يَأخُذُ مَنحًى أَكثَرَ أُلفَةً ومَوَدَّةً، حتّى إنَّ بَعضَهُم بَدَأَ يَدعوهُ:
كَيفَ حالُ الخالِ هَيّال؟
فشَعَرَ بأنَّهُ بَدأَ يَستَقِرُّ فِعلًا.
في مَساءٍ دافِئٍ، كانَ يَجلِسُ في فِناءِ الدّارِ يُحيطُ بهِ أَبناؤُهُ.
قالَ بِلهجَةٍ جادَّةٍ:
-أُفكِّرُ بأمرٍ مُهمٍّ، لكِنَّهُ يَحتاجُ إلى جُهودِكُم جَميعًا.
قالَت بَدريَّةُ باستِغرابٍ:
-خَيرٌ إنْ شاءَ الله، يا أبا حَمزَة.
ابتَسَمَ هيّالٌ وقالَ:
-خَيرٌ... أكيدْ خَير... أُفكِّرُ بِزَواجِ حَمزَة.
فقالَت بَدريَّةُ مُبتَسِمَةً:
-خَبَرٌ مُفرِحٌ
تَطلَّعَ الجَميعُ نحوَ حَمزَة، الّذي بَدا مُرتَبِكًا كأنَّهُ أُخِذَ على حينِ غِرَّةٍ.
قالت بدرية :
-ولكِنْ، مَن هيَ بَنتُ الحَلالِ؟
فأجابَ:
-عَلَاهْنْ بنتُ عبدِ الرِّضا
قالوا جميعًا:
نِعمَ الاختيارُ
جَرى كُلُّ شَيءٍ بِسُرعَةٍ.
قالَ هيّالٌ:
سَنَبنِي بَيتًا لِحَمزَةَ وزَوجَتِهِ.
قالَت بَدريَّةُ:
-أُوافِقُكَ، فَنَحنُ نَنتَظِرُ الأَحفادَ.
ومَعَ حَملِ خَديجَةَ، قالَ الشَّيخُ مُجبِلٌ لِجَوهَرَ:
-اذهَبْ إلى بَيتِ هَيّالٍ وأَعلِمْهُ أنِّي أَحتاجُهُ.
ولمّا حَضَرَ، قالَ لهُ الشَّيخُ:
أَهلًا، تَفضَّلْ.
كانَ هَيّالٌ مُستَغرِبًا مِن هذِهِ الدَّعوَةِ المُستَعجَلةِ.
قالَ الشَّيخُ مُجبِلٌ:
-لَقَد دَعَوتُكَ لأَستَشيرَكَ في أَمرٍ يُلازِمُني مُنذُ عُدتُ مِن زِيارَتي لِسوقِ الشُّيوخِ.
قالَ هَيّالٌ:
-خَيرٌ إنْ شاءَ الله.
تابَعَ الشَّيخُ قائلًا:
-ولكِنْ قَبلَ ذلكَ، أُعلِمُكَ بأنَّنا أَصبَحنا أَجدادًا... مَبروكٌ علَينا، خَديجَةُ حامِلٌ.
فكَّرَ هالشيخ مجبل كَيفَ يَفتَحُ قَلبَهُ ويَكشِفُ عمّا يُشغِلُهُ: عن حاضِرٍ يُعانِي فيهِ مَللًا بلا حُدودٍ، وعن مُستَقبَلٍ يَفرِضُ مُغامرَةً غَيرَ واضِحَةِ النَّتائِجِ.
كانَ الصَّباحُ يَتَسَلَّلُ إلى القَريةِ ببطءٍ كعادَتِهِ كُلَّ يَومٍ، دونَ رَغبَةٍ حقيقيَّةٍ في التَّغييرِ.
كانَ الضَّوءُ الرَّماديُّ يَنسابُ فوقَ الماءِ الرَّاكِدِ الّذي يَشقُّ الطَّريقَ بَينَ البُيوتِ الطِّينيَّةِ، فيما تَتَمايَلُ أَعوادُ القَصَبِ على ضِفَّتَيهِ بِكَسَلٍ يُشبِهُ التَّنفُّسَ الأَخيرَ لِيَومٍ لَم يُولَدْ بَعدُ.
كانَ كُلُّ شَيءٍ مَألوفًا إلى حَدِّ الوَجَعِ: نَفسُ المَشهَدِ، نَفسُ الأَصواتِ، نَفسُ الطِّينِ المَمزُوجِ بِرائحَةِ الجَاموسِ.
جَلَسَ على حافَّةِ المَمَرِّ التُّرابيِّ، يُراقِبُ الماءَ كَما لَو أَنَّهُ مِرآةٌ لِروحِهِ؛ رَأى نَفسَهُ فيهِ مُشوَّهًا، مُضطَرِبًا، بلا مَلامِحَ واضِحَةٍ..
الجاموسةُ التي تَمُرُّ أمامَهُ كلَّ صباحٍ ترفعُ رأسَها نحوهُ للحظةٍ، ثمَّ تعودُ إلى سيرِها البطيءِ غيرَ مُباليةٍ.
حتّى الحيواناتُ هنا تعرفُ دورَها في هذا العرضِ المُملِّ الذي لا نهايةَ له.
الناسُ يعبُرونَ الطريقَ بأجسادٍ تسيرُ وحدَها، كأنَّ أرواحَهم استقالتْ منذُ زمنٍ. لا حديثَ بينهم إلّا ما يَفرِضُهُ الضَّروريُّ من العيشِ، ولا نظراتٍ تتبادَلُ سوى تلكَ المُطفأةِ التي لا تقولُ شيئًا.
يشعرُ أنَّهم مثلُهُ تمامًا؛ عالقونَ في دائرةٍ لا تُكسَرُ، دائرةِ الماءِ والقصبِ والطينِ.
يمدُّ يدَهُ إلى الماءِ فيغمِسُ أصابعَهُ، فيجِدُ بُرودتَهُ تُشبِهُ بُرودةَ الأيامِ التي تَمُرُّ عليهِ بلا أثرٍ.
يُفكِّرُ للحظةٍ في الهربِ، لكنَّهُ لا يعرفُ إلى أين. كأنَّ حدودَ القريةِ تمتدُّ إلى آخرِ الدنيا، وكأنَّ القصبَ يُحيطُ بها من كلِّ الجهاتِ كسُورٍ من خيبةٍ خضراءَ.
أغمضَ عينيهِ، وتمنّى لو أنَّ شيئًا (أيَّ شيءٍ ) يحدثُ ليكسِرَ هذا الصَّمتَ الثقيلَ، هذا التكرارَ الذي يلتهمُ قلبَهُ يومًا بعدَ آخر.
لكنَّ الصباحَ ظلَّ كما هو، صامتًا، يُكرِّرُ نفسَهُ بلا كلَلٍ، كأنَّهُ يختبرُ صبرَهُ على المَلَلِ.
كانَ الشيخُ مُجْبِلٌ يُحاوِلُ أن يُهيِّئَ الكلماتِ قبلَ أن يتكلّمَ، فهو يعرفُ أنَّ (هيّالًا) الذي خرجَ من الطَّهْمازيّةِ، هو أيضًا خاضَ مغامرةً لم تكنْ نتائجُها معروفةً.
قالَ الشيخُ مُجْبِلٌ:
-لقد علمتُ من بعضِ الشيوخِ الذين التقيتُ بهم أنَّ الأمير منصور السَّعدون يُفكِّرُ بالانتقالِ من سوقِ الشيوخِ إلى منطقةِ (عَكدِ الهوى)، ليجعلَ منها دارَ الإمارةِ، وفي ذهنِه أبو جعفر المنصور.
لهذا بدأ، وبهدوءٍ، بشراءِ الأراضي على ضفّتَي الفراتِ والمملوكةِ بالطابو العثمانيّ.
أمّا الأراضي خارجَ الحدودِ البلديّةِ فسيتمُّ الاستيلاءُ عليها.
كانَ هيّالٌ يُنصتُ بانتظارِ المعنى من هذا الحديثِ.
تابعَ الشيخُ مُجْبِلٌ:
-وحتى لا أطوِّلَ السالفةَ، أفكِّرُ أن أَنتقِلَ إلى عَكدِ الهوى، وأشتري قِطعًا على النهرِ، وأستملِكَ أراضيَ خارجَ حدودِ البلديّةِ عن طريقِ التقدُّمِ لشرائِها من البلديّةِ العثمانيّةِ. وفي تقديري، أنَّهم سيرحبونَ بذلك، لأنَّ الدولةَ العثمانيّةَ بحاجةٍ إلى المالِ الآن، كما سيؤمِّنُ ضرائبَ جديدةً في المستقبلِ.
-والنتيجةُ؟
-سأكونُ من أصحابِ المالِ والمكانةِ والسُّلطةِ.
-طويلُ العُمر، لا أعتقدُ أني أستطيعُ أن أقدِّمَ لكَ مشورةً مفيدةً.
-المهمُّ أني أفضيتُ لكَ بما يُتعبُني... وبالمناسبة، سيكونُ الشيخُ في هذهِ النواحي صُالحًا، وأنا على ثقةٍ أنَّكَ ستتعاونُ معهُ.
فَتَحَتْ بَدْرِيَّةُ البابَ لِـهَيَّالٍ، فَشَعَرَتْ بِشَيْءٍ مِنَ الدَّهْشَةِ، فَقَدْ كَانَ مَأْخُوذًا، حتّى إنَّهُ دَخَلَ دُونَ كَلَامٍ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرَهَا.
قالت بقلقٍ:
ـ مَاذَا حَصَلَ؟ لَقَدْ بَدَأْتُ أَسْتَشْعِرُ الخَوْفَ.
قال وهو مُتَرَدِّدٌ:
ـ الشَّيْخُ مُجْبِل...
سَأَلَتْهُ بِسُرْعَةٍ:
ـ مَاذَا بِهِ؟ هَلْ هُنَاكَ مُشْكِلَةٌ مَعَ خَدِيجَةَ؟
أَجَابَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ:
ـ لَا... خَدِيجَةُ بِخَيْرٍ... لَقَدْ فَاتَنِي أَنْ أُخْبِرَكِ أَنَّهَا حَامِلٌ.
اِبْتَسَمَتْ أَوَّلًا، ثُمَّ أَطْلَقَتْ زَغْرُودَةً طَوِيلَةً، فَتَرَاكَضَ نَحْوَهُمَا الأَوْلَادُ.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |