|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
ناظم زغير التورنجي
2025 / 12 / 29
بين غنى التجربة اللينينية وإشكالية الراهن العراقي
(رسالة الى الرفيق العزيزصالح ياسر مع التقدير والأحترام لما نشره مقاله بالعنوان أعلاه يوم 29 كانون ثاني الحالي)
أبوحازم التورنجي
تندرج مقالة «دور التكتيك الصائب في تحقيق النصر الاستراتيجي» ضمن تقليد فكري ماركسي–لينيني كلاسيكي، يسعى إلى استخلاص الدروس العامة من تجربة ثورة أكتوبر، وبخاصة في ما يتعلق بدور التكتيك وأشكال النضال وعلاقتها بالاستراتيجية الثورية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، في ظل الواقع العراقي المركّب، ليس فقط: ما الذي تقوله المقالة نظريًا؟ بل:
إلى أي مدى تنجح في تحويل هذا الغنى النظري إلى أداة تحليل واشتباك مع واقع سياسي واجتماعي مختلف جذريًا عن شروط 1917؟
- التأسيس المنهجي السليم
من أبرز نقاط قوة المقالة تمسّكها الصارم بالمنهج الماركسي الجدلي، خصوصًا:
- رفض الصيغ الجاهزة
- التأكيد على تحليل الظرف الملموس
-اعتبار أشكال النضال نتاجًا لحركة الجماهير لا لأختراعات النخب .
وهذا ينسجم تمامًا مع جوهر الماركسية كما صاغها لينين، حين شدد على أن:
“طرح مسألة أشكال النضال خارج الظروف التاريخية الحسية هو جهل بألف باء المادية الجدلية.”
هذا التذكير بالغ الأهمية، خصوصًا في سياق عربي وعراقي طالما جرى فيه استنساخ التجارب بدل تحليل الواقع.
- إبراز العلاقة الجدلية بين التكتيك والاستراتيجية
تتحفنا المقالة بضوء مبهر وآلية لينينية في تفكيك الفهم السطحي للنضال الثوري، الذي يختزل الصراع في خيار واحد (سلمي/مسلح، برلماني/شارعي)، وتوضح أن:
-الاستراتيجية تحدد الهدف التاريخي
-بينما التكتيك يحدد طرق الاقتراب منه في كل مرحلة
وهنا تكمن قيمة المقالة في دفاعها عن المرونة التكتيكية دون التفريط بالمبادئ، وهو درس مركزي من تجربة لينين.
-التركيز على دور الجماهير لا النخب
من النقاط القوية والسليمة جدا أيضًا تأكيد المقالة أن:
- الجماهير ليست موضوعًا سلبيًا
- بل هي مختبر التجربة الثورية
- وهي التي تفرز أشكال النضال المناسبة
هذا ينسجم مع المبدأ اللينيني القائل بأن الحزب يتعلّم من الجماهير بقدر ما يقودها، وهو طرح مهم في مواجهة النزعات الوصائية.
مواطن الجدل والإشكاليات
رغم ثراء المقالة النظري، إلا أنها تعاني من ثغرات جوهرية إذا ما قُرئت في ضوء الواقع العراقي الراهن.
- فائض التاريخ مقابل شحّ الراهن
المقالة مشبعة بالاستشهادات التاريخية (ثورة أكتوبر، ازدواجية السلطة، السوفيتات)، لكنها:
- لا تنتقل انتقالًا حاسمًا إلى تحليل الواقع العراقي
- ولا تجيب بوضوح: ما الذي يعنيه هذا كله اليوم؟
يظهر هنا خلل شائع في الخطاب اليساري:
الاحتماء بالتجربة التاريخية بدل مساءلة الحاضر.
فالقياس على روسيا 1917، دون تفكيك الفوارق البنيوية (الدولة، الطبقة، الاقتصاد، المجتمع)، قد يحوّل التجربة من مصدر إلهام إلى عبء نظري.
- غياب تحليل الدولة العراقية المعاصرة
تتحدث المقالة عن:
- السلطة
- الطبقات
- الصراع
لكنها لا تقدم تحليلًا ملموسًا لطبيعة الدولة العراقية اليوم:
• هل هي دولة رأسمالية كلاسيكية؟
• أم دولة ريعية زبائنية؟
• ما موقع الطائفية السياسية في البنية الطبقية؟
• ما طبيعة العنف: دولتي أم ميليشياوي؟
بدون هذا التحليل، يبقى الحديث عن التكتيك معلقًا في الهواء، لأن التكتيك لا يُشتق من المبادئ بل من طبيعة الخصم وشكل السلطة.
- إغفال أزمة التنظيم الحزبي
المفارقة أن المقالة تمجّد تجربة لينين، لكنها لا تتوقف نقديًا عند:
- أزمة الأحزاب الشيوعية المعاصرة
- ضعف التنظيم
- تآكل العلاقة العضوية مع الطبقات الشعبية
في الحالة العراقية، ليست المشكلة في اختيار “السلمي أو غير السلمي”، بل في:
-غياب حزب قادر على تحويل أي شكل نضال إلى مسار تراكمي
- وتحويل الاحتجاج من فعل احتجاجي إلى قوة سياسية منظمة
وهنا تتقاطع المقالة مع الإشكالية التي طرحها ماركس ولينين معًا، لكنها لا تسميها بوضوح.
المقالة والواقع العراقي – فجوة التطبيق
العراق: تناقض بلا أفق سياسي
العراق اليوم يشهد:
- غضبًا اجتماعيًا واسعًا
-حركات احتجاجية متكررة
- انهيار الثقة بالنظام السياسي
لكن هذه العناصر لم تتحول إلى قوة تغيير تاريخية، لأن:
-الوعي الطبقي مشتت
-والتنظيم ضعيف
- والبدائل السياسية غير مقنعة
المقالة تشرح كيف نجح البلاشفة في تحويل شعارات بسيطة (السلم، الخبز، الأرض) إلى برنامج جماهيري.لكنها لا تسأل:
ما هي شعارات اليوم القادرة على توحيد الكتل الاجتماعية في العراق؟
- من الدرس إلى المهمة الغائبة
الهدف الضمني للمقالة هو:
- الدفاع عن الماركسية اللينينية
- وتأكيد صلاحيتها التاريخية
لكن المهمة الأكثر إلحاحًا اليوم ليست إثبات صحة التراث، بل:
تجديد أدواته التنظيمية والسياسية بما يلائم واقعًا مختلفًا جذريًا.
من دون ذلك، يبقى الحديث عن التكتيك أقرب إلى درس تاريخي منه إلى دليل عمل.
يمكن القول إن المقالة:
- قوية نظريًا
- رصينة منهجيًا
- غنية بالتجربة التاريخية
لكنها:
- ضعيفة وتتحاشى الاشتباك مع الواقع العراقي الملموس
- متحفظة في النقد الذاتي
- ومحدودة في تحويل الدرس اللينيني إلى برنامج سياسي معاصر
في العراق اليوم، لا تكمن الأزمة في اختيار شكل النضال بقدر ما تكمن في:
غياب التنظيم القادر على تحويل أي شكل نضال إلى قوة مادية مستدامة.
وهنا تعود بنا الدائرة إلى مقولة ماركس ولينين معًا:
- الفكرة بدون تنظيم عاجزة
- والتنظيم بدون قراءة دقيقة للواقع يتحول إلى طقس أيديولوجي
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |