اقتصاد الامل .. كيف يباع المستقبل حين يضيق الحاضر؟

عادل محمود
2025 / 12 / 29

في زمن صار الناس فيه يقتاتون على الخيبة، ظهر تجار من كل الأصناف يبيعون شيئا لا يمسك إسمه الأمل، هناك من يعلقه في لافتة إنتخابية، وآخر يسكبه في خطبة دينية، وثالث يحول الأزمات الشخصية الى "فرص" عبر دورة تدريبية لا يتجاوز ثمنها نصف مرتب موظف. فجأة أصبح الأمل سوقا واسعا، له سماسرة ولغة وبورصة صعود وهبوط. كلما إزداد الضيق تمدد السوق، وكلما اشتد العوز إرتفع سعر الوعد.
لم يعد الأمل فعلا داخليا يولد الحركة،بل صار أقرب الى مخدر يشغل الناس بانتظار الغد، على امل ان ياتي احدهم بالخلاص. هذا النص محاولة لتتبع كيف سرقت هذه الطاقة القديمة، وكيف جرى تغليفها وبيعها، حتى تحول المستقبل الى منتج يسوق كما تسوق مساحيق الغسيل.

تاريخ البشر يعرف الأمل جيدا.في الأساطير اليونانية، حين فتحت باندورا صندوقها، انفلتت الشرور وبقي الأمل وحيدا في الداخل، آخر ما يتمسك به البشر حين يسد كل باب. في الأديان، صار الأمل أحد فضائل النجاة، وسندا روحيا يربط الأرض بالسماء.
لكن وسط كل ذلك، كان الأمل فعلا مرتبطا بالحركة: ثائر يأمل في العدالة فيخرج الى الشارع، مريض يأمل الشفاء فيمسك بأسباب العلاج، فقير يأمل الخلاص فيقاوم تغول الفقر.
كان الأمل دوما توأم الفعل إلى ان دخل السوق.

مع تمدد منطق السوق إلى أكثر مناطق الحياة خصوصية دخل الامل غرفة البضائع الراسمالية: صقل، غلف، وخرج في هيئة منتج قابل للتسويق.
صارت كتب التحفيز تعلب الأمل، وصار الساسة يسوقونه مثل سلعة موسمية، وصارت المؤسسات الدينية توزعه بنظام "النقاط": افعل كذا، تمنح غدا.
فجأة لم يعد الأمل تجربة إنسانية، أصبح تجارة تحتاج الى جمهور هش، والى أزمات مستمرة تجعل الزبائن يقفون في الطابور.

السياسة الحديثة تبيع الأمل في عبوات ضخمة: شعار لامع، أغاني وطنية، ووعود "تغير حياتك".
لا احد يشرح كيف، ولا متى، ولا بأي أدوات. المهم ان يظل الوعد كبيرا بما يكفي لامتصاص اوجاع الناس.
بعد الإنتخابات، ينفض المولد، لكن البضاعة لا تبور: سيأتي سياسي جديد، بخطاب جديد، ليبيع نفس السلعة بوجه مختلف.
والمواطن يعود للانتظار، يؤجل غضبه، ويبتلع خيبته، ويتعلم دون ان يشعر ان "الوقت المناسب" للمطالبة لا يأتي ابدا.

الدين - في صورته المؤسسية المعاصرة - دخل السوق أيضا، أصبح هناك تسويق مدهش للوعد الأخروي: اصبر وبعد الموت ستنال، تحمل والله سيعوضك، قصور في الجنة تنتظر الصابرين.
هكذا يصبح الألم فضيلة، والفقر إبتلاء حميدا، والظلم "اختبارا".
الأمل هنا لا يحرك الفرد لتغيير واقعه، بل يطلب منه قبوله.
والمفارقة أن الأديان الأولى جاءت، في أصل خطابها التأسيسي، لتحرير الإنسان من الظلم لا لتسويغه، لتقويض الإستبداد لا لمنحه غطاء أخلاقيا، و تفكيك منطق القهر لا لإعادة إنتاجه بلغة مقدسة. قبل أن يأتي التاريخ - كعادته - ليعلم النص الديني كيف يصمت.
والمفارقة أن بعض التيارات جعلت الأمل سلعة فاخرة: ادفع تبرعك وستاتي البركة، كرر وردك وسيحل الرزق.
وهي وصفات تذكر أكثر بخزعبلات التنمية البشرية منها بأي خطاب روحي حقيقي.

صناعة التحفيز: تغليف الأزمة وبيعها كحل
هذه الصناعة، التي تدر المليارات، لا تبيع الأمل فقط، بل تبيع "الشعور بانك قادر" حتى لو لم تتغير حياتك قيد انملة.
بطالة؟ ستجد من يلوم "طاقتك السلبية".
فقر؟ السبب في "برمجتك".
اكتئاب؟ العلاج هو "امتنان اكثر".
يتحول الخلل من بنية اجتماعية الى مشكلة في الفرد. وهكذا يتنصل النظام من مسؤوليته، ويجلس الفرد امام فيديو مدته عشر دقائق، مطلوب أن يحل فقره عبر "قوة التفكير الإيجابي". وفي أوقات الأزمات الكبرى، ترتفع أرباح هذا السوق.

الأمل ايضا طبقي، الغني يبحث عن تطوير الذات وورش الإبتكار، والفقير يبحث عن"ستر اليوم" و"فرج قريب".
الطبقة الاولى تشتري املا يوسع نفوذها،
والطبقة الثانية تشتري املا يخفف عنها ضغط الحياة.
حتى الحلم صار موزعا بالتفاوت نفسه الذي توزع به الثروة.

ومن الفكرة إلى الواقع، لم يحتج الأمل طويلا كي يكتشف هشاشته حين يترك وحيدا في مواجهة المصالح.

الربيع العربي كان أملا صلبا، ثم وضع على الرف. حين امتلأت الشوارع في 2011، كان الأمل حقيقيا، عنيدا، وُلِد من فعل جماعي هائل، لا من بيان ولا من منصة خطاب. لكن سرعان ما التفت عليه الأسواق السياسية: أحزاب تبيع نسخة جاهزة من "الحل"، جماعات دينية تطرح بديلا آخر مغلفا باليقين، وإعلام يصنع أملا على المقاس، سريع الاستهلاك. هكذا تحوّل الأمل الأصلي إلى مادة صراع بين النخب، ثم إلى ذكرى مؤجلة.
وبعد عقد، لم يختف الأمل، بل تغير مكانه: أصبح يباع في سوق الحنين، هناك من يستدعيه بوصفه حلما ضائعا، وهناك من يستثمره لإعادة تدوير الاستبداد، وهناك من يلوح به كتحذير: "ألم نجرب؟" - كأن الخطأ كان في الأمل نفسه، لا في من صادره.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي