|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
ناظم زغير التورنجي
2025 / 12 / 26
أبوحازم التورنجي
( قراءة في المسار والتحولات بمناسبة ذكرى أنتصار الثورة الكوبية ودور جيفارا فيها)
يُعدّ إرنستو “تشي” جيفارا أحد أكثر الرموز الثورية إثارةً للجدل في القرن العشرين. فبينما تحوّل إلى أيقونة عالمية للتمرد والتحرر، فإن مساره السياسي والفكري يكشف عن توترات عميقة بين الممارسة الثورية والالتزام النظري بالماركسية. ويبلغ هذا التوتر ذروته في قراره مغادرة كوبا، بعد أن شغل مناصب وزارية عليا، من أجل “تصدير الثورة” إلى أمريكا اللاتينية ثم إفريقيا، وهو قرار يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول هفواته الفكرية والسياسية، ومدى انسجامه مع الماركسية الكلاسيكية.
جيفارا من ثائر منتصر إلى وزير دولة
بعد انتصار الثورة الكوبية عام 1959، لم يكن جيفارا مجرد مقاتل ميداني، بل أصبح أحد أعمدة الدولة الجديدة. تولّى مناصب بالغة الحساسية، أبرزها رئاسة البنك المركزي ووزارة الصناعة. في هذه المرحلة، حاول أن يطبّق تصورًا اشتراكيًا راديكاليًا يقوم على “الحوافز المعنوية” بدل الحوافز المادية، وعلى بناء “الإنسان الجديد” القادر على التضحية من أجل المجتمع.
غير أن هذه الرؤية، رغم بعدها الأخلاقي، اصطدمت بالواقع الاقتصادي. فقد أظهرت التجربة محدودية الرومانسية الثورية عندما تُنقل إلى إدارة دولة، وهو ما أدى إلى إخفاقات اقتصادية واضحة. هنا تبدأ أولى الهفوات: ميل جيفارا إلى الإرادة الثورية والأخلاق على حساب التحليل المادي الدقيق للواقع، وهو ما يتناقض مع جوهر المنهج الماركسي القائم على فهم البنية الاقتصادية وشروط الإنتاج.
قرار الخروج من كوبا… الثورة كواجب أخلاقي
غادر جيفارا كوبا عام 1965، في خطوة مثّلت قطيعة رمزية مع الدولة التي ساهم في بنائها. وقد برّر ذلك بأن الثورة لا يمكن أن تظل محصورة في جزيرة واحدة، وأن واجب الثوري هو إشعال بؤر التمرد في العالم الثالث، خصوصًا في أمريكا اللاتينية.
لكن هذا التوجه يعكس تحولًا مهمًا في فكره: من ثوري يعمل ضمن دولة اشتراكية قائمة، إلى ثوري أممي يعتمد نموذج “البؤرة الثورية” التي تفترض أن مجموعة صغيرة من المقاتلين قادرة على تفجير الثورة حتى في غياب شروطها الموضوعية. هذه الفكرة، التي استلهمها من التجربة الكوبية، شكّلت أحد أكثر جوانب مساره إشكالية.
الهفوات الثورية في الكونغو وبوليفيا
تجلّت محدودية هذا التصور بوضوح في تجربتي الكونغو وبوليفيا. ففي الكونغو، فشل جيفارا في فهم البنية الاجتماعية والقبلية المعقّدة، واعتمد على تصور اختزالي للصراع الطبقي. أما في بوليفيا، فقد دخل في عزلة شبه كاملة عن الفلاحين، دون دعم شعبي حقيقي أو تنظيم حزبي محلي قوي.
من منظور ماركسي، يُعدّ هذا ابتعادًا واضحًا عن تحليل “الواقع الملموس”، وهو مبدأ أساسي في الماركسية. فقد أهمل جيفارا دور الحزب الطليعي، وأهمية الوعي الطبقي، وراهن بدلًا من ذلك على المثال البطولي للمقاتل الثوري، وهو رهان أقرب إلى النزعة الإرادوية منه إلى المادية التاريخية.
جيفارا والماركسية… قرب أخلاقي وبعد منهجي
لا يمكن إنكار أن جيفارا كان ماركسيًا في انحيازه للفقراء، وعدائه للإمبريالية، وإيمانه بالصراع الطبقي العالمي. غير أن ماركسيته كانت في كثير من الأحيان ماركسية أخلاقية – إنسانية أكثر منها ماركسية علمية. فقد ركّز على الوعي الثوري والتضحية والإرادة، بينما قلّل من شأن الشروط الاقتصادية، وتوازن القوى، والبنى الاجتماعية.
بهذا المعنى، اقترب جيفارا من ماركس في الهدف، لكنه ابتعد عنه في المنهج. وكان هذا الابتعاد أحد الأسباب الرئيسية لفشل مشاريعه الثورية خارج كوبا، وانتهى باستشهاده في بوليفيا عام 1967، معزولًا عن الجماهير التي كان يسعى لتحريرها.
إن مسار تشي جيفارا بعد خروجه من كوبا يكشف عن مفارقة عميقة:
ثوري صادق ومخلص لقضية التحرر، لكنه وقع في فخ تعميم تجربة استثنائية (كوبا) على واقع متنوع ومعقّد. وقد مثّلت هفواته الثورية درسًا تاريخيًا حول حدود البطولة الفردية، وأهمية الالتزام الصارم بالتحليل الماركسي للواقع المادي والاجتماعي. وهكذا يبقى جيفارا رمزًا ملهمًا، لكن تجربته تظل مفتوحة للنقد، لا للتقديس.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |