|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عادل محمود
2025 / 12 / 24
في عتمة الشتاء المبكر، عندما تتساقط أوراق الأشجار الأخيرة، وتتحول ضوضاء المدينة إلى همس متقطع، يأتي ديسمبر كأثر ساحر يربك الزمن ، وتتداخل أيامه: الماضي يعود فجأة، والحاضر يبطئ، والمستقبل يطل قبل أوانه.ويجعل القلب ينتبه.
تقول أسطورة قديمة، ربما أكثر شاعرية من كونها تاريخا موثقا، إن ديسمبر هو الشهر الذي تقوى فيه العلاقات مع أشخاص سيصبحون مهمين في حياتك، وينهى فيه ما لم يعد له جدوى، ويعود فيه النبض إلى علاقات ظننت أنها ماتت. قد يبدو الكلام منسوجا من وهم أو خيال، لكنه عند التدقيق، يحمل بصيرة إنسانية عميقة، عن دور الزمن في تنظيم حياتنا العاطفية والاجتماعية، وعن الطريقة التي نعيد بها ترتيب أولوياتنا بين الناس والأحداث.
تعود جذور هذه الأسطورة، وفق ما يوثقه بعض الباحثين في الأساطير الشعبية، إلى مزيج من التقاليد الفلكية والعادات الإجتماعية في نصف الكرة الشمالي. ديسمبر الشهر الأخير من السنة الشمسية، كان تاريخيا مرتبطا بالاحتفال بعودة الشمس بعد أطول ليلة، كما في مهرجان "السولستيس" لدى الرومان القدماء، وطقوس الاحتفاء بالعودة في الثقافات الإسكندنافية. هذه الاحتفالات كانت مناسبة لإعادة ترتيب العلاقات الاجتماعية : تسوية نزاعات، تعزيز الروابط الأسرية، والاعتراف بأهمية بعض العلاقات التي لم تقدر خلال العام.
وفي العصور الوسطى، امتد التأثير الاجتماعي لهذه الفترة ليشمل طبقات المجتمع كافة، فكان شهر ديسمبر فرصة للتأمل الشخصي والاجتماعي، إذ ينظر إلى نهاية السنة كبداية جديدة، وكان الناس يكتبون رسائل مصالحة، ويزورون أقاربا وأصدقاء كانوا قد ابتعدوا عنهم. هذه العادة، رغم بساطتها، تحمل فلسفة عميقة : إدراك أن الزمن محك للعلاقات والنوايا ووقفة نقدية لتقييم قيمة الروابط التي نعيشها.
إذا نظرنا إلى ديسمبر اليوم، في عصر السرعة الرقمية والانفصال الاجتماعي الظاهري، نجد أن الأسطورة تكتسب أبعادا أخرى. فالربط بين نهاية وبداية الشهر وبين إعادة ترتيب العلاقات ليس خيالا شعريا فقط، لكن انعكاس لآلية نفسية واجتماعية. من الناحية النفسية، يعرف ديسمبر باعتباره شهرا يثير الحنين والتفكر، فالنهاية القريبة للسنة تجعل الفرد يقيم الماضي ويعيد ضبط بوصلة علاقاته. يشير عالم النفس الاجتماعي تادجفيلد (2021) إلى أن البشر يميلون في نهاية السنة إلى مراجعة شبكات علاقاتهم، سواء كانت عاطفية، مهنية، أو صداقة، ويقررون من يستحق أن يبقى في حياتهم، ومن يمكن أن يترك خلفهم.
الأسطورة إذن لا تتحدث فقط عن زمن محدد، بل عن وعي بالعلاقات وقيمة النهايات والبدايات. هي دعوة للتمييز بين الروابط الحقيقية والوهمية، وإعادة الحياة إلى ما كان ميتا، أو الإقرار بضرورة التخلي عن ما أفرغ القلب من معناه. وحتى لو فسرناها من منظور بيولوجي، فإن الإنسان يميل في موسم الشتاء إلى تعزيز الروابط الاجتماعية القريبة، بحثا عن الدفء النفسي في فترة تقل فيها ساعات الضوء، وما يوازي ذلك من تأثير على المزاج والطاقة الحيوية.
يمكن رؤية تجسيد هذه الأسطورة في قصص يومية تحدث معنا جميعا، رغم أننا لا ندركها على أنها أساطير. قد يكون صديق قديم عاد فجأة بعد شهور من الصمت ليصبح جزءا أساسيا من حياتك، أو فرصة عمل تأتي من شخص لم تعد تتوقع التواصل معه. وفي العلاقات العاطفية، نلاحظ أن كثيرا من المصالحات أو القرارات الحاسمة تأتي في ديسمبر سواء بإنهاء علاقة لم تعد مجدية، أو بدء علاقة جديدة تحمل وعودا لمستقبل أفضل.
في السياق الاجتماعي الأكبر، يمكن أن يمتد تأثير هذا الشهر إلى المجتمعات نفسها - خصوصا في المجتمعات التي تحكمها البيروقراطية - في هذا التوقيت تعلن التقارير الاقتصادية والتنموية السنوية، وغالبا ما تكون فترة لتقويم السياسات ، وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية أو الاجتماعية وتتخذ قرارات قد تغير مسار العام الجديد، لتتحول نهاية السنة إلى لحظة عملية لإعادة ترتيب علاقات السلطة وفرز التحالفات على المستويين المحلي والدولي
إن هذا الربط بين الأسطورة والتحولات الاجتماعية والسياسية يوضح أن ما يبدو شاعرية خالصة هو في الحقيقة انعكاس لسلوكيات بشرية واجتماعية متجذرة: البشر بطبيعتهم يميلون إلى إعادة ترتيب أولوياتهم وفق الإطار الزمني، والمجتمعات تفعل الشئ نفسه، لكنها على نطاق أوسع. ديسمبر إذن هو اختبار جماعي لشبكات العلاقات، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، وهو شهر الانتهاء من القديم والتمهيد للجديد.
بالرغم من عمق الأسطورة، يجب التعامل معها نقديا. فهي تميل إلى تبسيط تعقيدات العلاقات البشرية، وتقديم زمن محدد كبوابة سحرية للتغيير. الواقع أقل شاعرية: العلاقات لا تموت أو تحيى حسب شهر الميلاد، بل وفق الظروف والجهود المتبادلة، والوعي الفردي والاجتماعي. ومن زاوية بنيوية، يمكن القول إن هذه الأسطورة تعكس هاجس الإنسان بالتحكم في الزمن، وإضفاء معنى على الفوضى العاطفية والاجتماعية. إنها محاولة لترويض العشوائية في حياتنا، لكنها في الوقت نفسه تمنحنا إحساسا بالقدرة على الاختيار وإعادة ضبط الذات والعلاقات.
أيضا هناك مفارقة ممتعة: شهر ديسمبر هو شهر الانقسام ، فهو يسلط الضوء على الأحياء والموتى في حياتنا العاطفية والاجتماعية، لكنه لا يضمن نتائج دقيقة. قد يحدث أن العلاقات التي يفترض أن "تعود للنشاط" تبقى هامدة، أو أن تلك التي يفترض أن تنهى تستمر. هنا يظهر البعد الإنساني البارد للواقع، الذي لا يخضع للأسطورة إلا بقدر محدود من التشابه.
في نهاية المطاف ديسمبر ليس مجرد شهر في التقويم فقط و لكنه تجربة حسية وفكرية، ومحطة لتقييم الماضي، واستشراف المستقبل. إنه تذكير بأن البدايات والنهايات مترابطة، وأن النبض قد يعود إلى ما اعتقدنا أنه مات، وأن ما فقدناه ربما يحمل في طياته فرصة لإكتشاف جديد. الأسطورة القديمة إذا سواء صدقنا حرفيا أو فهمناها مجازا، تقدم لنا درسا: أن كل علاقة في حياتنا تحمل معنى، وأن الوقت - كما هو شهر ديسمبر - يمكن أن يكون فرصة لإعادة ترتيب أولوياتنا، وإعادة اكتشاف أنفسنا عبر الآخرين.
ولعل الرسالة الأعمق تكمن في الموسيقى الداخلية للنص الأسطوري: أن نعيش نهاية العام بوعي، وأن نسمح لكل قرار، لكل لقاء، لكل وداع، بأن يكون لحظة شاعرية في حياتنا، لا مجرد حدث زمني. وفي هذا الشهر كل شيء محتمل: لقاء جديد، صداقة تعود، حب يولد، أو قرار بالانفصال عن ما لم يعد ينتمي إلى قلبنا. ديسمبر هو شهر التجربة الإنسانية في أشد صورها شاعرية: مواجهة النهاية والبداية في آن واحد.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |