محمد صبحي، عمرو أديب، وأم كلثوم .. في زمن الترفيه الموجه

عادل محمود
2025 / 12 / 23

ليست كل الضجة التي تملأ الفضاء الإعلامي ضجيجا متساوي القيمة. بعض الضجيج هو صوت السوق وهو يعيد ترتيب البضائع، وبعضه دوي منظومات دفاعية تخفي ضعفها، وقليل منه فقط صوت سؤال حقيقي . اعتراض محمد صبحي على فيلم "الست" لا ينتمي إلى الضجيج الأول، ولا إلى الدوي الثاني، لكن إلى الفئة الثالثة: فئة السؤال، الذي لا يهاجم عملا فنيا بعينه بقدر ما يطرح سؤال أعمق: من يملك الحق في إعادة صياغة الرموز؟ وبأي منطق؟ ولمصلحة من؟
محمد صبحي - بكل ما عليه وما له - ينتمي إلى جيل لم يعرف الفن بوصفه محتوى، ولا الفنان بوصفه براند. جيل رأى المسرح مدرسة، والسينما رسالة اجتماعية، جيل آمن أن الكلام عن الرموز مسؤولية تاريخية، لأن الرمز - خاصة حين يكون بحجم أم كلثوم - هو حصيلة تراكم اجتماعي، ووجداني، امتد لعقود.
من هنا لا ينطلق اعتراض محمد صبحى من سؤال: هل الفيلم جيد أم ردئ ؟ بل من سؤال أكثر خطورة: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الصيغة؟ ولماذا بهذا التمويل؟ ولمصلحة أي تصور عن أم كلثوم؟
أم كلثوم ظاهرة فنية و ثقافية موثقة في عشرات الدراسات الأكاديمية، من كتاب فرجينيا دانييلسون ( The Voice of Egypt 1997) إلى دراسات جوزيف مسعد حول القومية والثقافة، مرورا بتحليلات أنور عبد الملك عن الدور السياسي للأغنية العربية في زمن ما بعد الاستعمار. كانت أم كلثوم في ذروة حضورها، جزءا من معادلة سياسية وثقافية : صوت الدولة، وصوت الجماهير، وصوت التناقض بين السلطة والناس.
غنت للحب وغنت للهزيمة، غنت للانتظار وغنت للصبر القاسي، كانت حفلاتها الشهرية - التي تبث مباشرة في الراديو - تعلق فيه الحياة لساعتين، وتعيد صياغة المشاعر العامة.
إعادة تقديم هذه الشخصية، إذن، ليس عملا بلا غرض. كل اختيار درامي - من زاوية الكاميرا إلى بنية السرد - هو موقف معرفي حتى لو أنكره صناعه. وهنا تحديدا يبدأ الإشكال.
حين استخدم محمد صبحي لفظ "مؤامرة" ، سارع كثيرون إلى السخرية، كأن الرجل استدعى اجتماعا سريا في غرفة مظلمة. لكن القراءة السطحية هنا - كالعادة - تخفي المعنى الأهم. فـ"المؤامرة" في السياق الثقافي لا تعني بالضرورة تآمر أشخاص، بل تآمر منطق: منطق السوق حين يعيد ترتيب المعنى ليناسب الذائقة السائدة، لا السياق التاريخي.
المؤامرة بهذا المعنى هي :
أن يعمد هذا النوع من التناول إلى تبسيط سيرة الشخصية وإعادة ترتيبها في قالب درامي سهل، يتم فيه حذف التناقضات والصراعات الأساسية التي شكلت مسارها الحقيقي.
كما يتجاهل السياق السياسي والاجتماعي الذي أحاط بالتجربة، ولا يتوقف عند علاقة الشخصية بالسلطة أو بالواقع العام، مكتفيا بتقديم قصة نجاح فردية منزوعة الخلفية.
وبهذا الأسلوب، تتحول الشخصية من تجربة إنسانية فريدة تستحق النقاش إلى نموذج جاهز للاستهلاك، يقدم للجمهور بوصفه إجابة نهائية لا تحتمل الأسئلة أو النقد.
هي عملية تسطيح لا تشويه. والتسطيح أخطر، لأنه ينتج قبولا هادئا.
هنا يدخل عمرو أديب إلى المشهد، لا بوصفه إعلاميا صاحب رأي مستقل، بل بوصفه موظف داخل منظومة. العلاقة المهنية بينه وبين الجهة المنتجة للفيلم ليست تفصيلة جانبية لكنها مفتاح القراءة. الإعلام في هذا السياق أداة إدارة للصورة العامة و ليس مساحة للنقاش .
الهجوم على محمد صبحي لم يكن تفنيدا لحجج، ولا مناقشة لرؤية، بل كان عملية تحويل ممنهجة لمسار النقاش:
من الفيلم إلى الشخص
من التاريخ إلى السيرة الذاتية
من السؤال الفني إلى المحاكمة الأخلاقية
الأسئلة من نوع: عملت إيه؟ كنت فين؟ دفعت تمن إيه؟
ليست بريئة. إنها أسئلة تستخدم لإسقاط شرعية الاعتراض من خلال التشكيك في أهلية المعترض. كأن النقد لا يسمح به إلا لمن دفع ثمنا شخصيا كافيا، وإلا صار اعتراضه "ترفا أخلاقيا".
هذه ليست مناظرة. إنها آلية إقصاء ناعمة، تفرغ النقد من محتواه، وتحوله إلى مسألة سلوك فردي.
الخطر الحقيقي لا يكمن في فيلم واحد، بل في النموذج. نموذج إنتاج ثقافي يمتلك:
المال
المنصات
الإعلام
والقدرة على تحويل أي اعتراض إلى "ضجيج كاره للفرح"
في هذا النموذج، لا يقاس العمل بعمقه ولكن بانتشاره، ولا تقاس القيمة بقدرتها على طرح الأسئلة، ولكن بقدرتها على التسويق. الرمز يعامل كعلامة تجارية والذاكرة تضغط في قالب درامي قابل للاستهلاك، والنقد يعاد تعريفه بوصفه "معطل للنجاح".
وهنا تستبدل الأسئلة الكبرى - من نحن؟ كيف تشكلنا؟ ما الذي خسرناه؟ - بسؤال واحد صغير، لكنه فعال:
"ليه مكبرين الموضوع؟ ده فيلم!"
سؤال يبدو بسيطا، لكنه يحمل داخله فلسفة كاملة: فلسفة اختزال الثقافة في الترفيه، والتاريخ في الحكاية، والرمز في الشخصية.
الهيمنة الحديثة لا تأتي بالدبابات، بل بالمسلسلات، وبجملة تبدو ودية: "سيبونا نفرح"
لكن الفرح حين يدار من أعلى وحين يمول بلا حساب وحين يقدم على حساب السياق التاريخي، يتحول إلى مخدر ثقافي. أم كلثوم - التي غنت للزمن الصعب - تعاد اليوم بلا صعوبة. بلا توتر. بلا سياق.
يعاد تقديمها كأيقونة نجاح فردي، لا كنتاج صراع اجتماعي. كصوت "عظيم" بلا زمن، بلا دولة، بلا هزيمة، بلا جمهور كان يستمع وهو يعرف أن الغد ليس مضمونا.
وهنا يصبح اعتراض محمد صبحي مزعجا، لا لأنه صحيح أو خاطئ، بل لأنه يكسر الإجماع المصنع. لأنه يعيد السؤال إلى مكانه الطبيعي: السياسة لا الذائقة.
في زمن يتهم فيه من يدافع عن التاريخ بأنه "عدو للنجاح"،
ويكافأ فيه من يسطح الرمز باعتباره "صانع فرح"،
تصبح أم كلثوم ، خلفية موسيقية لمشروع ناعم، لا يريد أن يزعج أحدا.
السخرية هنا ليست في الفيلم، بل في ردود الفعل. في هذا الحرص المفاجئ على "مشاعر الجمهور"، وكأن الجمهور كائن هش لا يحتمل السؤال. وكأن الذاكرة عبء يجب تخفيفه، لا مادة يجب تفكيكها.
القضية في جوهرها، ليست فيلم "الست"، ولا محمد صبحي، ولا عمرو أديب.
القضية هي : هل ما زالت الذاكرة الثقافية العربية ملكا لأصحابها؟
أم أنها صارت مادة خام في خط إنتاج ترفيهي، يعاد تشكيلها وفق طلب السوق؟
أم كلثوم لا تحتاج إلى من "يحييها".
هي حية بقدر ما نحافظ على تاريخها كاملا، بما فيه من تناقضات وأسئلة غير محسومة. وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي رمز ليس أن يهاجم أو يرفض، بل أن يقدم في صورة ملساء ومطمئنة، تفرغ من محتواها، حتى تفقد قدرتها على طرح الأسئلة.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي