|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محمد اسماعيل السراي
2025 / 12 / 23
لا يمكن فهم بعض أنماط العنف في المجتمع العراقي المعاصر بوصفها سلوكيات فردية أو انحرافات طارئة، بل ينبغي النظر إليها ضمن بنية اجتماعية آخذة بالانهيار، يمكن تسميتها بـ «الهامش الحضري المنهار»؛ وهو ذلك الفضاء الاجتماعي الذي فقد شروط المدينة، دون أن يستعيد تماسك القرية أو الجماعة التقليدية، فظلّ معلقًا في فراغ قيمي وأخلاقي.
ضمن هذا السياق، تكتسب حادثة الاعتداء على متطوع إنساني كان يوزّع مساعدات في إحدى المناطق الشعبية المدقعة بأطراف بغداد دلالةً تتجاوز الحدث نفسه. فالعنف الذي وُجّه ضد فعل إحساني، وتحت أنظار كبار الجماعة من دون تدخل رادع، لا يمكن تفسيره بمنطق الامتنان أو الجحود، بل بمنطق انهيار العقل الاجتماعي.
١. الهامش بوصفه فضاءً بلا معنى
في الهامش الحضري المنهار، لا تعود القيم تعمل بوصفها منظومة ناظمة للسلوك، بل تتحول إلى بقايا خطابية معطّلة. الفرد هنا لا يشعر بأنه جزء من عقد اجتماعي، ولا يرى في المجتمع كيانًا حاميًا أو منصفًا، بل قوة غامضة تركته خارج التاريخ. ضمن هذا الفراغ، يُعاد تعريف الأفعال لا بحسب معناها الأخلاقي، بل بحسب أثرها النفسي المباشر.
المساعدة الإنسانية، في هذا السياق، لا تُقرأ بوصفها تضامنًا، بل بوصفها كشفًا فجًّا للهشاشة، وفضحًا علنيًا للعجز المتراكم. إنها لا تمنح الأمان، بل تستحضر الإهانة الرمزية.
٢. العنف كآلية لاستعادة السيطرة
حين يفقد الفرد في الهامش كل أشكال السيطرة على حياته ومساره، يصبح العنف آخر ما تبقّى له من أدوات الفعل. الاعتداء هنا لا يكون موجّهًا ضد الشخص المتطوّع بصفته الذاتية، بل ضد الصورة التي يمثلها: صورة الخارج، صورة القادر، صورة من يملك ما لا يملك الآخرون.
العنف، في هذه الحالة، ليس انفعالًا غريزيًا، بل استراتيجية بدائية لاستعادة الإحساس بالقدرة، ولو بشكل وهمي ومؤقت. وهو ما يفسر مشاركة الشباب والصبيان، بوصفهم الفئة الأكثر إحساسًا بالإقصاء وانعدام الأفق.
٣. صمت الكبار وانهيار الردع القيمي
أخطر ما تكشفه هذه الحادثة ليس فعل الاعتداء نفسه، بل صمت الكبار وشيوخ المنطقة. فهذا الصمت يدل على تفكك السلطة الأخلاقية داخل الجماعة، وانهيار دور الضبط الاجتماعي غير الرسمي. حين تعجز الجماعة عن ردع عنف يُمارَس باسمها وأمام أعينها، فهذا يعني أن القيم لم تعد فاعلة، وأن الجماعة فقدت قدرتها على إنتاج معنى مشترك للسلوك المقبول والمرفوض.
٤. من المدينة إلى الجماعة البدائية
الهامش الحضري المنهار لا ينتج مواطنين، بل أفرادًا معزولين داخل جماعة مغلقة. ومع غياب الدولة، والعدالة، والأفق، يحدث ارتداد صامت نحو منطق الجماعة البدائية، حيث تُدار العلاقات بالقوة، وتُفهم الرسائل عبر العنف، لا عبر القانون أو القيم.
بهذا المعنى، فإن الاعتداء على الفعل الإنساني لا يمثّل تناقضًا مع منطق الهامش، بل انسجامًا داخليًا معه.
خلاصة:
إن حادثة الاعتداء هذه ليست شذوذًا اجتماعيًا، بل علامة إنذار على مرحلة متقدمة من تفكك البنية الاجتماعية في بعض الهوامش العراقية. وهي تكشف أن الفقر، حين يقترن بانهيار المعنى وغياب الدولة، لا ينتج الامتنان، بل ينتج العنف؛ لا يولّد التضامن، بل الريبة؛ ولا يصنع الجماعة، بل يحوّلها إلى كتلة غريزية تبحث عن السيطرة بأي ثمن.
ملاحظة.. تم إنجاز هذا النص بمساعدة أداة رقمية..
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |