فصل الشتاء .. حين يقول الجسد ما تخفيه السياسة

عادل محمود
2025 / 12 / 22

الشتاء لا يأتي كضيف لطيف يبتسم ثم يغادر. الشتاء يدخل كزائر لا يعرف الحدود، يمد أصابعه الباردة عبر الأبواب والشرفات، يتسلل إلى العظام قبل أن يصل إلى القلب. منذ صغري، كنت أستشعر هذا البرد مثل إشعاع خفي يفتش في أعماق الجسد، ينقر على العظام، يوقظ الحواس، ويجعل كل شيء حولك يتباطأ، وكأن المدينة كلها تأخذ نفسا عميقا قبل أن تئن من البرد.

في الخيال الشعبي، يصور الشتاء كفصل الهدوء والرومانسية، موسم البطاطين الثقيلة والأغاني الحزينة الجميلة. بالنسبة لي، هذا وهم يزينه الشعراء، بينما الواقع يقول شيئا آخر: الشتاء اختبار للجسد، تجربة للحواس، و كاشف للبنية الاجتماعية، يمتد ليظهر الفوارق الطبقية والصحية والاقتصادية بلا رتوش.

أذكر أياما كنت أجلس قرب النافذة، أراقب المطر وهو يطرق الزجاج، كل قطرة تصنع صوتا يشبه كتابا يقرأه الآخرون بصمت. أستشعر البرد ينزل في قدمي، يرتد صدى في خاصرتي، ثم يتحرك نحو العمود الفقري، وكأنه يختبر صلابة جسدي. كنت أشعر أن الشتاء ليس مجرد حالة جوية، بل حالة وجودية.

الشتاء يجعلني أستعيد أسئلة بسيطة ولكنها عميقة: كيف أتحرك في العالم؟ ما الذي أملكه ليحميني؟ وما الذي يفتقده الآخرون؟ أرى المباني القديمة التي لم تعزل حراريا، أرى البيوت الصغيرة التي تتسرب منها الرياح، أرى الأطفال المرتجفين، أرى الكبار الذين يصرخون ضد البرد بصمتهم. البرد هنا لا يحتاج إلى كلمات، فهو صامت أكثر من أي تقرير حكومي أو تصريح رسمي، لكنه أصدق بكثير.

في كل عام، تتكرر نفس المشاهد، لكنها لا تتكرر بنفس الإحساس. في المدينة، أرى الشوارع وهي تغرق بالمياه، المصارف التي تفشل في تصريف الأمطار، العواصف الصغيرة التي تحول الحياة اليومية إلى معركة من أجل الوصول إلى العمل أو المدرسة. كل هذا يجعل الشتاء اختبارا للمدينة نفسها: هل بنيت بما يكفي لتقاوم؟ هل فكرنا في الناس قبل الحجر؟

أحيانا، أشعر أن البرد يفضح الجميع: الأغنياء يظلون دافئين داخل منازلهم المزودة بكل وسائل التدفئة، بينما يعيش الفقراء في انتظار دفء قد لا يأتي إلا مع حلول الربيع. أسمع من حولي عن مشكلات أغطية غير كافية لتدفئة الفراش، عن سيارات ترفض العمل في الصقيع. أرى التفاوتات الاجتماعية أمام عيني، وكل موجة برد جديدة تشبه عدسة مكبرة تظهر هشاشة السياسة العامة وغياب العدالة الاجتماعية.

الشتاء رغم قسوته، له موسيقاه الخاصة. صوت المطر على النوافذ، صفير الريح في الأزقة، ارتعاشة اليدين حول كوب شاي، رائحة المطر العالقة في الهواء، كل هذا يشكل لحظة من التأمل. في بيت دافئ، تتحول هذه الأصوات إلى أنشودة حنين وطمأنينة، في بيت بارد تتحول إلى نشيد قلق، يعكس الحالة الاقتصادية والاجتماعية أكثر من الطقس نفسه.

أحيانا أكتب خواطري، وألاحظ أن الشتاء يجعلني أقرأ العالم ببطء، أرى التفاصيل الصغيرة التي تتوارى خلف سخونة الصيف أو ضجيج الحياة اليومية. إن البرد يجعلني متأملا في تفاصيل لا ألاحظها عادة: وجوه الجيران التي تتغير مع كل موجة صقيع، وحتى مشاعر العزلة التي يخلقها الشتاء في النفوس.

في الريف يصبح الشتاء موسما للعزلة. الطرق الطينية تتحول إلى مستنقعات، تقطع الصلة بالمدن، خدمات صحية بعيدة، وتدفئة بدائية تعتمد على الحطب أو المخلفات الزراعية، بما يحمله ذلك من مخاطر صحية. أستطيع أن أتخيل نفسي هناك، أسير في الطين، أتنقل بين البيوت، أشعر بكل لحظة برد وكأنها تنقش على جسدي. هذه تجربة شخصية في التخيل، لكنها واقعية في تقارير البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي يوضح أن ارتفاع أسعار الطاقة في مواسم البرد يضاعف أعباء الأسر منخفضة الدخل، ويحول التدفئة من حق إنساني إلى رفاهية طبقية.

في المدن الكبرى، المشهد لا يقل قسوة: أمطار تكشف هشاشة الصرف الصحي، الشوارع تغرق، حركة العمل تتوقف، بينما تظل الأحياء الثرية نظيفة، وكأن المدينة كلها مسرح لتجربة البرد على أوجاع محددة. أرى كل هذه المشاهد، وأشعر بغصة في الصدر، لأن الشتاء لا يرحم الهشاشة، ويكشف ما تجاهلناه طوال العام.

الشتاء يجعلنا ندرك أن السياسة ليست مجرد أرقام على ورق أو بيانات رسمية، بل قرارات تترجم فورا إلى إحساس بالبرد أو الدفء. رفع الدعم أو تسعير الطاقة أو تأجيل مشاريع الإسكان يصبح تجربة حسية، يتحسسها الجسم قبل العقل. الشتاء يضع القرارات الاقتصادية أمام اختبار أخلاقي: هل تراعي توقيتات التطبيق؟ هل تحمي الفئات الهشة في مواسم القسوة؟

أحيانا أستيقظ في الصباح على أصوات الرياح، وأفكر في: كم من طفل سيتأثر اليوم بالبرد؟ كم من أسرة ستجد نفسها بين دفء محدود وفاتورة مرتفعة؟ وأدرك أن الشتاء ليس فصلا طبيعيا فقط، لكنه اختبار لمستوى التضامن في المجتمع، ومدى جدية العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.

أنا لا أحب الشتاء، ليس فقط بسبب المطر أو الريح أو الصقيع، بل لأنه يجعلني أواجه نفسي: ضعفي، قلق جسدي، مخاوفي. لكنه يجعلني أيضا أرى العالم من زاوية مختلفة، ألاحظ التفاصيل المهملة، أشعر بالارتباط مع الآخرين الذين يواجهون نفس البرد، سواء في حينا أو في قرى بعيدة. البرد يصبح تجربة فلسفية: كيف نصنع الدفء، وكيف نعيد ترتيب الأولويات، وكيف نحمي من لا صوت لهم؟

في كل مرة أواجه فيها الشتاء، ألاحظ فرقا غريبا بين البيوت: بعضها مليء بالدفء والضحك، وبعضها صامت، يرتجف. وأتساءل: هل نستحق الشتاء؟ هل صنعنا المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه عندما تأتي العواصف؟

الشتاء يجعلني أكتب. يجعلني أضع في الكلمات تجربة حسية، خليطا من شعور جسدي وفكر متأمل. أكتب عن المطر والريح، عن الطرق الطينية والشوارع الغارقة، عن الأطفال المرتجفين، عن المدن والقرى، عن البنى الاجتماعية والسياسية التي تتكشف بلا رتوش. الكتابة تصبح طريقة لفهم البرد، لتحويل الألم الصامت إلى شئ يمكن التعبير عنه، للتركيز على ما يجب تغييره، وليس مجرد الشكوى من الطقس.

الشتاء ليس فصلا للصفاء والرومانسية وحدها. إنه اختبار متكرر للجسد والعقل والروح، ويضع ما أهملناه من حقوق وواجبات أمامنا دفعة واحدة، إذا فهمناه بهذه الطريقة، يمكننا الدخول إليه ونحن أكثر استعدادا، بعقل بارد وقلب دافئ مع استعداد أفضل، وربما القدرة على الاحتمال، وربما قليلا، القدرة على الاستمتاع به.

الشتاء يجعلني أتأمل في الأثر الجماعي للحرمان والدفء، ويجعلني أعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمدينة والسياسة والمجتمع. إنه فصل للمواجهة، فصل للتأمل، فصل لتسجيل ما يمر به الجسد، وما يختبره القلب. وهكذا يصبح البرد ليس مجرد حالة جوية، بل تجربة حياة كاملة، تجعلنا نعيد النظر في أنفسنا وفي العالم من حولنا.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي