من الصراع من أجل الفوز إلى الصراع من أجل البقاء

ناظم زغير التورنجي
2025 / 12 / 19

من الصراع من أجل الفوز إلى الصراع من أجل البقاء *

أبوحازم التورنجي

لا شك أن التشخيص الذي قدمه الكاتب ( ستار جبار ) ، دقيق ويتقاطع مع رؤية العديد من المراقبين والكوادر داخل الحزب الشيوعي العراقي. إن التحول من "صراع من أجل الفوز" إلى "صراع من أجل البقاء" هو مؤشر خطير على وجود أزمة بنيوية تطال جوهر المشروع السياسي والتنظيمي للحزب. والماركسية، كما أشرت، تدعو إلى تسمية الأشياء بأسمائها، وهذا يعني جرح الذراع قبل أن تتعفن، ومواجهة الحقيقة بجرأة شديدة بعيداً عن التبريرات والبلاغة (اللغوية الثورية) التي لم تعد تنطلي على أحد.
للإجابة على التساؤلات المباشرة والعميقة، يجب القيام بتحليل نقاط الضعف والخطأ المحتملة، ثم الأنتقال إلى مسألة المسؤولية والمحاسبة، وأخيرا تقديم رؤية نقدية للمسار برمته.
أولاً: الأخطاء التنظيمية والسياسية والفكرية (التشخيص)
من الصعب حصر الأخطاء في خانة واحدة دون الأخرى، فهي متشابكة ومتداخلة، لكن يمكن تفكيكها على النحو التالي:
1. الأخطاء الفكرية والاستراتيجية:
• التبعية الفكرية والانبهار بالآخر: على مدار العقود الماضية، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، عانى الحزب من فراغ استراتيجي. بدلاً من تطوير ماركسية عراقية معاصرة تأخذ في الاعتبار المرحلة و التشكيلة الاجتماعية العراقية بتنوعها الطائفي والإثني، انجرف الحزب أحياناً نحو تقليد نماذج يسارية عالمية (كاليسار الأوروبي) أو الانبهار بالقوى السياسية العراقية الأخرى (كالإسلام السياسي) على أمل الحصول على مكاسب سياسية، مما أدى إلى تآكل هويته المستقلة.

• غموض الرؤية حول "الدولة" و"السلطة": فشل الحزب في تقديم رؤية واضحة ومقنعة للجماهير حول شكل الدولة التي يسعى إليها. هل هي دولة علمانية بالكامل؟ دولة مدنية؟ دولة اشتراكية؟ هذا الغموض جعله يبدو كقوة انتهازية تسعى للمشاركة في أي حكومة قائمة بدلاً من أن يكون بديلاً حقيقياً.
• فشل في التحليل والأنتماء الطبقي ( الطبقة العاملة الجديدة ): تحولت الطبقة العاملة العراقية عن شكلها الكلاسيكي. هناك الآن قطاع هائل من العمالة المأجورة في القطاع الخاص، والمياومة، والمستخدمة في الشركات الأجنبية، و" أجنحة الأقتصاد الريعي ". فشل الحزب في بناء قواعد له بين هذه الفئات، وظل خطابه يخاطب "بالعموميات الكلاسيكية للطبقة العاملة التي تقلص حجمها ونفوذها.
2. الأخطاء السياسية:
• التحالفات الخاطئة والمتقلبة: إن سياسة التحالفات التي مارسها الحزب، خاصة تحالفه مع تيارات الإسلام السياسي التي تتناقض أيديولوجياً مع جوهر الفكر الشيوعي، كانت كارثية. لم يكسب الحزب من هذه التحالفات سوى سمعة سيئة، حيث تم تصويره كـ"ذيل" أو "تابع" لهذه التيارات، وفقد ثقة جماهيره العلمانية والتقدمية التي كانت تنظر إليه كبديل.

ضعف الخطاب الجماهيري: أصبح خطاب الحزب باهتاً، مليئاً بالمصطلحات النظرية التي لا يفهمها المواطن العادي، وفي الوقت نفسه، غير قادر على المنافسة في الخطاب الشعبوي الذي تستخدمه القوى الأخرى. غاب عن الحزب "السياسي المثقف" القادر على ترجمة الفكر السياسي المعقد إلى برامج عمل وشعارات بسيطة ومؤثرة.
• الانكماش داخل "العملية السياسية": بعد عام 2003، انغمس الحزب في تفاصيل العملية السياسية البرلمانية والحكومية، ونسى دوره الطبيعي في الشارع والنقابات والجامعات. أصبح هم الحفاظ على مقعد برلماني أو منصب حكومي صغير هو الغاية، مما أدى إلى تهميش دوره كحركة اجتماعية شاملة.
3. الأخطاء التنظيمية:
• البيروقراطية والجمود: هيكل الحزب التنظيمي أصبح شبيهاً بهيكل دولة مصغرة، يعاني من البيروقراطية والبطء في اتخاذ القرارات. هناك شبه انفصال بين القيادة والقاعدة، حيث تصدر القرارات من "أعلى" دون أن يكون هناك حوار حقيقي أو تفاعل من "أسفل".
• غياب الديمقراطية الداخلية الحقيقية: على الرغم من وجود مؤتمرات وهيئات، إلا أن روح النقد والنقد الذاتي تكاد تكون معدومة. يتم تهميش أو تجريم الرفاق الذين يختلفون مع توجهات القيادة، ويتم وصفهم بـ"االمخربين" أو "المنحرفين". هذا يخلق جواً من الخوف والرياء، حيث يكتفي الرفاق بالتصفيق بدلاً من تقديم الرأي النقدي البناء.
• ضعف الكوادر وهجرة العناصر المتميزة: بسبب البيئة التنظيمية الخانقة والسياسات السياسية الخاطئة، إما تم طرد أو استقالة العديد من الكوادر الشابة والمثقفة والنقدية، أو هجرت الحزب طواعية بعد أن يئست من إمكانية التغيير من الداخل. ما تبقى هو إما كوادر قديمة تعبت من النضال، أو كوادر جديدة تفتقر للخبرة وتخشى مواجهة القيادة.
ثانياً: مسألة المسؤولية والمحاسبة (المحاسبة)
هنا نصل إلى جوهر الأزمة. في منظمة ثورية، المسؤولية ليست فردية فقط، بل هي جماعية وهيكلية.
من المسؤول؟
1. القيادة العليا (المكتب السياسي واللجنة المركزية): هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن التوجهات الاستراتيجية والسياسية والتحالفات الخاطئة. القرارات المصيرية التي أوصلت الحزب إلى ما هو عليه الآن لم تتخذ في اجتماع فرعي، بل في أعلى مستويات القيادة. مسؤوليتها تاريخية وأخلاقية وتنظيمية.
2. الهيئات الوسيطة (اللجان المحلية والمحافظات): هي مسؤولة عن تنفيذ سياسات القيادة دون تفكير أو نقاد، وعن قمع أي صوت معارض داخل صفوفها. لعبت دور "الوسيط" الذي ينفذ الأوامر ويتجاهل ملاحظات القاعدة.
3. الكوادر التي صمتت: هناك مسؤولية جماعية على كل رفيق ورفيقة شاهدوا الخطأ وسكتوا إما خوفاً أو انتهازية أو توهماً بأن "القيادة تعرف ما تفعل". الصمت في مواجهة الخطأ هو تواطؤ.
هل سيتم محاسبتهم أمام المؤتمر؟
هذا هو السؤال الصعب. الإجابة الواقعية، بناءً على تجارب المؤتمرات السابقة، هي لا على الأغلب. المؤتمر، في وضعه الحالي، هو أداة لتجميل صورة القيادة ومنحها شرعية جديدة لفترة قادمة، وليس منصة للمحاسبة الحقيقية. سيتم تهميش أي نقاد حقيقي، وسيُصوَّت على قوائم جاهزة، وستُقدم أخطاء الماضي على أنها "تضحيات" أو "صعوبات موضوعية".
• هل هناك رفاق أشاروا لتلك الأخطاء ولم يسمع لهم؟
• بالتأكيد.كثيرون داخل وخارج التنظيم

*حوارية مع الصديق ألأستاذ ( Sattar Jabbar Rahman )
ستار جبار رحمن في ضوء مقالته المنشورة هذا اليوم 19 /12

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي