متحفُ التراث المحكي

يوسف المحسن
2025 / 12 / 19

حقّاً.. هي ألفيّةٌ عجيبة.. وزمنٌ غريب، ألفيّة أفعوانيّة ملتوية وقد استحالت المقاطعات الريفيّة من بيئةٍ طاردةٍ إلى جاذبة، واكسبت الدهن الحر افضليّةً على الزيوت المهدرجة، الكرزات والمكسَّرات تحوّلتْ في الذائقة الشعبيّة من متطلّبات سهرة لمتابعة فيلم أو مباراة كرويّة ساخنة إلى جرعات يوميّة منتظمة للعلاج، وحقّاً إنّها ألفيّة تناصب العداء للشبس المقرمش والنوتيلا والمشروبات الغازيّة والخبز الأبيض المتوسّط، قنواتها الفضائيّة ...فضائيّة.
مطاعمها مكتظّةٌ بملاعق البلاستيك، انهارها تميل الخضرة، وخضرتها تنحاز للاصفرار.
ألفيّةٌ انقلبت على هويّتها دون رغبةٍ منها، حكايات مقاهيها معلّبة ومبتسرة ومشروباتها هجينة (اللاتيه.. كابتشينو.. أمريكانو.. فلات وايت.. رستريتو).
حقّاً.. وين الچاي وين الحامض وين الكنداغ! ، لقد تداعت الأشياء الكلاسيكيّة بأسرع من جدار برلين، ثمّة موجةٌ عاتيةٌ تفوق انتشار الجينز، وثمّة ذبول بطيء يضاهي ذوبان الثلوج في القطبين، لم نعد نجد غير (المخلوطات) المفتقِرة إلى الملامح، حتى الوجوه الصافية لم نعد نلتقيها إلّا فيما ندر.
حقّاً.. يدخل الزائرون إلى المتاحف ليتفرّجوا على اعاجيب لم يسمعوا أو يشاهدوا شبيهاً لها، وربّما وبعد خمسين عاماً سيتجوّلُ انسان الغدِ في كبسولة من الزجاج والمطّاط، لا دشداشة .. لا يشماغ.. لا مزويّه.. لا معطف.. لا شبشب أبو الاصبع.
تاريخيّاً ستؤول هذه اللذائذ البَصَريّة إلى الأبد وتتشابه الوجوه والشفاه والكبسولات ونبرات الصوت، ستهجم الآلات على المهن ولن نشاهد بدلات عمل ملطّخة بالدهان أو كوفيّات معفّرة ببرادة الحديد ونشارة الخشب.
ما يقلقني أيضاً هو ضياع السيل الجارف من الحكايات والمواقف والمهارات الشفاهيّة التي تميّز بها المجتمع العراقي (الحچّاي والحسچه) بالفطرة، وأن تختفي إلى الأبد تلك السوالف(المسنّعه) والفراضات التي حَفل بها التراث الشعبي، مع إنّها خلاصة افكارٍ وتجارب وخبرات حياتيّة وفلسفيّة تراكمت لعقود.
حقّاً.. إنّه أندثارٌ موجع وخسارة فادحة للتراث المحكي الذي لايقلُّ أهمّيةً عن التراث المرئي الملموس، فالجيل الجديد لا يحفظ منه سطراً، والجيلُ الذي عايش البعض منه في المضايف والدواوين والبرانيّات والمقاهي بدأ بفقدان الذاكرة أو توفّاه الله، فهل نحن في سباق مع زمن الألفيّة العجيبة الغريبة!.
إنَّ إنشاء متحفٍ للتراث المحكي صار ضرورة إنسانيّة والتزاماً أخلاقيّاً وعلميّاً يفرض على الجهات والمراكز المتخصّصة العمل على جمع التراث المحكي وتدوينه عبر فرقٍ بحثيّة احترافيّة تقوم بلملمتهِ وتحويله الى كتبٍ ومقاطع فيدويّة من مصادرهِ، ولابأس من الأستعانة بالجامعات والكلّيّات وطلبة الدراسات العليا، عندها فقط سنحافظ عليه قبل تبخره من رؤوس الأهالي والحافظين واهل الحلِّ والعقد.
....خارج المتن.....
الآليّات المطلوبة للأنجاز:
قيام باحثين بجمع التراث المحكي من مصادره في المدن والقرى والقصبات والبراري وبالتعاون مع الجامعات والمراكز البحثيّة، اجراء عمليّات الفهرسة والتدوين، تكوين قاعدة بيانات ومقاطع فيديويّة، إيداعه في المكتبات العامّة والجامعيّة.
والتراث المحكي هو الذاكرة الصوتيّة لافكار موغلة في النبل والوعي...قد لا تتكرّر.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي