محدوية نقد الذكاء الصناعي

كاظم حسن سعيد
2025 / 12 / 18

..
تفاعل الكاتب محمد بسام العمري مع مقال نشرته تضمن نقد نص الذكاء الصناعي..،حول نص ( فيروس العزلة),موضحا الفوارق بين ناقد بشري وآلي...يشكل كل ذلك لونا من حيوية قراءات يتنافس فيه البشري والآلي ولا ندري لاي مدى ستتطور هذه المنافسة./ كاظم حسن سعيد/.

.......

النقد الذي قدّمه الذكاء الاصطناعي لقصيدة «فيروس العزلة» يكشف عن مفارقة لافتة: فهو نقد دقيق في رصده، واسع في أدواته، لكنه في الوقت نفسه يعاني من حدود جوهرية نابعة من طبيعته غير الإنسانية. يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي قرأ النص بعينٍ حادّة، لكنه لم يعشه بقلبٍ مجروح.
من حيث القوة، يبرز التحليل في قدرته على تفكيك البنية الرمزية للنص وتسمية الأشياء بأسمائها النقدية: العزلة الرقمية، تلاشي الدهشة، تحوّل المأساة إلى محتوى، جيل البرزخ، الزجاج كحاجز شفاف. هذه القراءة تُظهر كفاءة عالية في الربط بين المفردة الشعرية وسياقها الحضاري، وفي استدعاء التناص (المتجردة) بوصفه علامة على انهيار الذاكرة الجمالية أمام فيض الاستهلاك البصري. الذكاء الاصطناعي هنا قوي لأنه يعمل كأرشيف واعٍ، يرى النص من علٍ، ويضعه داخل شبكة مفاهيم اجتماعية وثقافية معاصرة. كما أنه أحسن استخدام المصطلح النقدي دون أن يفرغ النص من شعريته، وهي نقطة تُحسب له.
إيجابيته الكبرى تكمن في الإنصاف: لم يُسقِط على القصيدة أحكامًا جاهزة، ولم يحوّلها إلى ذريعة أيديولوجية، بل أنصت إلى صوتها بوصفها «صرخة تحذير» لا بيانًا سياسيًا. وهذا وعي نقدي مهم، خاصة في زمن يُستنزف فيه الأدب لخدمة الخطاب المباشر.
لكن، وعلى مستوى أعمق، تظهر سلبية أساسية: الذكاء الاصطناعي يفسّر الألم ولا يتألم. هو يشرح «انقراض الشغف» لكنه لا يعرف معنى أن ينقرض الشغف في جسد إنسان حي. لغته محكمة، لكنها باردة نسبيًا؛ عقلانية أكثر مما ينبغي لنصّ ينبض بالفقد. فحين يتحدث عن «مأدبة الموت» أو «غرق الأرواح»، فإنه يراها بوصفها صورة بلاغية ناجحة، لا بوصفها جرحًا أخلاقيًا مفتوحًا. هنا يكمن ضعفه الجوهري: غياب الخبرة الوجودية.
كما أن التحليل، رغم عمقه، يميل أحيانًا إلى الاكتمال الزائد، كأن النص قد أُغلق تأويليًا. الشعر، بطبيعته، يطلب فراغًا للقارئ، منطقة صمت، بينما الذكاء الاصطناعي يملأ كل الفراغات تقريبًا. هو لا يخطئ، لكنه لا يتردّد، والتردّد في النقد الأدبي فضيلة، لأنه يترك باب الغموض مفتوحًا.
ثمّة ضعف آخر أكثر خفاءً: الذكاء الاصطناعي، وهو ينتقد العزلة الرقمية، يفعل ذلك من داخلها. إنه ابن الشاشات التي شلّت البشر، ووسيطٌ من الوسائط التي «عملقت جدران العزلة». وهذا لا يبطل نقده، لكنه يجعله نقدًا مفارقًا، أشبه بمرآة تشرح للإنسان غربته دون أن تستطيع إخراجه منها.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذا النوع من النقد يفتح أفقًا جديدًا: هو أداة مساعدة، لا بديلًا عن الناقد الإنساني. قوته في التحليل، ضعفه في الإحساس؛ دقته في اللغة، محدوديته في التجربة؛ اتساع رؤيته، وبرود دمه الوجودي. وإذا قُرئ بهذا الوعي، يصبح الذكاء الاصطناعي شاهدًا ذكيًا على النص، لا قاضيًا عليه.
في النهاية، يمكن القول إن نقد الذكاء الاصطناعي لقصيدة «فيروس العزلة» نجح في تشخيص المرض، لكنه لا يستطيع أن يشعر بالحمّى. وهذا بالضبط ما يجعل الأدب ضروريًا، ويجعل الإنسان، رغم كل شيء، غير قابل للاستبدال.
محمد بسام العمري

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي