|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
كاظم حسن سعيد
2025 / 12 / 12
في زمن يضطرم فيه الخارج بضجيج لا يتركه وحده، يظهر النصّ كبيت صغير لا يصدح إلا بصوت الروح «عالم سري» ليس خارطة هروب بل هو مختبر نفس تصنع ذاتها من ركام العدم نص غايته تعليمنا كيف تصنع الوحدة جمالها الخاص، وكيف يتحوّل الفراغ إلى ورشة لصناعة المعنى.
في تميز معتاد اختار الاستاذ كاظم حسن سعيد الانسيابية في البنية اللغوية والإيقاع كأداة للبناء المعنوي، فتكرار الباء الافتتاحيّة «بمهارة النجارين… بمرممي لوحات المتاحف… ببذور… بقصص…» لم تكن زخرفة بل آلية نسق لغوي تصنع انسيابا تراكميا كما تكرار الحرف الأداة يؤدي وظيفة مزدوجة:
الاولى إيقاعية: في خلقه لحنا سرديا شعريا يوحد الجمل متوالية كأنها لحن واحد.
دلاليا كل عنصرٍ
يبدأ بـ "بـ" يضيف طبقة جديدة من المعنى؛ فالذات لا تكتفي بفعل واحد بل تعيد تشكيل الحياة عبر مهن وعلامات.
نعتمد قول الكاتب "بمهارة النجارين يعيدون الحياة لتحف حللها القدم" فهي صورة تقوم بعملين في آن: إعادة البناء المادي وكذا إعادة البناء النفسي.
إلى جانب ذلك، تتكرّر الأنماط التصويرية: الأنسنة و التضادّات: "فرح/حزن، بَهَج/رتابة" فتصنع نسيجا لغويا متناغما ومشدودا نحو مركزية واحدة: والتي هي الخلق كاستجابة للعزلة.
النص في صوره الشعرية المميزة له استعان بالاستعارة الممدودة والمجاز الحسي، فلم تكتفي الصور بوصف الشيء بل تبنيه:
الوحدة كمخلب: استعارة تجسد الوحدة كحيوان مفترس، ما منحنا كقارئ إحساسا فعليا بالخطر الداخلي.
ثم البهجة قبل أن تُحنّطها الرتابة: صورة تعبيرية تؤسس لوعي ضدّي؛ البهجة هنا لحظة فاعلة يجب اقتناصها قبل أن يُقيم النظام الضاغط طقوسه.
هذا النوع من الصور لا يطلب من القارئ فكّ شيفرة جامدة، بل دعوته إلى تجربة المشهد كما في الشعر الجيد.
النص بامتياز امتلك بنية وجودية واضحة: المواجهة مع العدم يقابله فعل الخلق.
الفرد لا ينتظر المعنى بل يَخلقه، والبطل في "عالم سري" لا يقول: "انتظروني لأحيا"؛ بل: "أصنع حياتي"
وكتصالح مع المصير: نجد مقولة النص الأخيرة "النجاح ليس حليف الإصرار دائما… فنجح عن إخفاء الشمس عن عالمه السري" قراءة وجودية ذات طابع متصالح: فالفعل الإنساني يصبح طقسا لإنقاذ الذات لا ضمانا لتغيير العالم.
هنا؛ الخلاص ليس بالثقوب الكبرى (الثورة-التحوّل الاجتماعي) بل في التفاصيل اليومية: ترميم لوحة، بذرة في أصيص، حكاية تُنقذ إنسانا من الانطفاء.
في بعدها الاجتماعي؛ أصر الكاتب على ألا يشتغل في معزل عن الواقع؛ بل قدم قائمة من الشواهد على المأساة العامة: العميان، المصابون، دار العجزة، ضحايا التيزاب، المدن المهدمة..
هذه السردية الإشارية تحول "العالم السري" من قصر خاص إلى مرآة أخلاقية:
رسالة: حين ينهار العالم الخارجي، تبقى مسؤولية فردية هنا فعل إنساني بسيط قادر على صوغ إنسانية بديلة.
النقد الاجتماعي هنا لم يكن مباشرا بالخطبة، بل عبر المقارنة المؤلمة: خسائرنا "بسيطة جدا" أمام خراب الآخرين، فالنص يدفع القارئ نحو تأمّل ذا بعد أخلاقي.
النص بلغة الكاتب الصادقة يعلن: أن "اللغة مخادعة" لكنّ هذا الاعتراف لا يقود إلى الصمت، بل إلى صوغ لغة بديلة:
رموز داخلية، استعارات خاصة، صمتٌ متأمل.
اللغة الجديدة المخيّرة تمنح صاحبها حدودا لِ"المأمن"؛ عالمه السري يصبح موقفا دفاعيا وجماليا في آن واحد.
هذا التبادل بين الاعتراف بالنقائص اللغوية واللجوء لصوغ خاص وازي خطوات نظرية عن الكتابة التي تخلق واقعها: موت المؤلِّف / إنتاج المعنى.
النص ينجح لأنّه لا يستقرّ عند قطب وحيد: فهو متأرجح بين سواد وجوديّ وبريق إنساني، تكرار لقطات الفرح "بسمة طفل" أمام صور الخراب يصنع تباينا يجعل العمل متوازنا وواقعيا في آن.
اتباعا لمنهجية أستاذي زين المعبدي التي تُعطي للألفاظ الصغيرة وقعا دلاليا كأنها خيوط تربط النص بالمتلقي نرى في «عالم سري»:
كلمة «بذور» تُشير إلى الميلاد والإماتة في آن واحد
«تحفٌ حلّلها القدم» تحكي تاريخا مكسورا يُرمّم الآن.
«إخفاء الشمس» يصلح رمزا للخصوصية لكنّه يمثل أيضا إنكفاء سياسيا/أخلاقيا: اختيار البقاء داخل مأمن للجمال بدل مقاومة العنف بالعلن.
ك نموذج إنساني: يرسم أ. كاظم حسن سعيد لوحة تشير إلى:
كيف يبني فردٌ حياته داخل خراب كوني؟
ثم تعيد تعريف الفنّ: فالفن ليس ترفا؛ إنما فعل نجاة.
وأن الأخلاق المحافظة على الجمال: كون صون البهجة في زمن الخراب عمل مقاوم أخلاقيّ.
ثم يأتي على مقاربة لغوية جديدة ظاهرة: فاللغة تُستخدم هنا كأداة بناء لا مجرد ناقل.
الأستاذ كاظم حسن سعيد في رائعته "عالم سري" يعلّمنا أن نقاوم بلسان آخر؛ أن نعيد أحياء الذكريات، أن نزرع بذرة في أصيص صغير، وأن نؤمن بأنّ الفرح القليل قادر على مقاومة طغيان الصمت في النهاية، النصّ يقدّم برهانا رقيقا: ليس بالضرورة أن تُعيد العالم لتُنقذ نفسك؛ يكفي أن تصنع في داخلك عالما يستحق الحماية.
لامية عويسات/ الجزائر