|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
طلعت خيري
2025 / 12 / 11
قلنا في مطلع سورة الفتح ، مع بداية سنة 6 للهجرة رأى النبي في منامه يطوف بالمسجد الحرام مع أتباعه امنين مطمئنين محلقين رؤوسهم ومقصرين ، مقصرين الشعر ، ولما حدثهم بها بدت عليهم ملامح الرغبة بالحج وخاصة الذين تركوا أهلهم وذويهم فارين الى المدينة ، استند النبي امنيا الى ما هو متعارف عليه بين القبائل بأشهر الحرم ولكن هذا غير كافي امنيا ، ومع اقتراب موسم الحج للسنة ذاتها أكمل النبي الاستعدادات العسكرية وفقا لقواعد الاشتباك مع التحالف المكي الرأسمالي ، إذا ما تعرضوا لهجوم مباغت من دخل مكة أو من خارجها ، فنادى النبي بأهل المدينة للحج فاستجاب له المهاجرين والأنصار ، باستثناء المشركين والمشركات والمنافقين والمنافقات من الأعراب وأهل المدينة ، وعند الحديبية قرب مكة استفزتهم قوة عسكرية منعتهم من الوصول إليها ، فتدخل الله لاحتواء الأزمة بتوصيات عقائدية ، حققت النصر ومنعت المواجهة العسكرية مع التحالف المكي وحقنت دماء المؤمنين والمؤمنات ، ولكي يحقق الله رؤيا النبي بالحج جعل من أهم بنود صلح الحديبية الحج في العام المقبل ، وفي سنة 7 للهجرة حج النبي وأتباعه دون معوقات ولا استفزاز امني ، قال الله لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ، ان شاء الله امنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون ، فعلم ما لم تعلموا ، فعلم ما لم تعلموا ، تعني الآن أدركتم ايجابية تأجيل الحج الى سنة 7 للهجرة ، فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ، وتعني فوق الحج الآمن فتحا قريبا ، في سنة 8 للهجرة
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً{27}
كانت مكة تحتضن العشرات من الديانات الوثنية ، وعدد ليس بقليل من الأديان السياسية المنشقة عن كتابي التوراة والإنجيل ، جلها يدعي الانتماء الى الديانة الإبراهيمية ، مما جعل شبه الجزيرة العربية في القرن السادس الميلادي اكبر تجمع ديني بشري عالمي ، ساهم في أقامة قرى ظاهرة ، امتدت على طول طريق القوافل التجارية ما بين اليمن وبلاد الشام والعراق مرورا بمكة ، ونظرا لتغلغل النفوذ الإمبراطوري الفارسي والروماني بين أرجاء المناطق العربية ، باتت مسرحا عسكريا واسعا وصل نفوذه الى أطرفها المترامية ، ونتيجة للصراع ألولائي القبلي العربي على نفوذهما الإمبراطوري ، تفككت المنطقة بالحروب والانقسامات والمؤامرات لعقود من الزمن ، ولما أراد الله إحياء القلوب الخاوية بعث في أم القرى رسوله ليخرجهم من الوثنية والسياسية والدموية الى دين الحق ، قال الله هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، ليظهره تعني لينصره على الديانات الوثنية والسياسية ، وكفى بالله شهيدا
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً{28}
كل ما يجري حولنا من أزمات وتحديات وحروب فوق أرادتنا ، هي من إرادة الله وعكس ذلك أيضا ، فلا ظلم يبقى ولا ترف يدوم ، ولنا مثال على ذلك ، التغيرات العقائدية والميدانية التي قلبت موازين المنطقة العربية في غضون اقل من أربعين عاما ، ففي القرن السادس الميلادي كانت شبه جزيرة العرب تعج بالظلمات والمؤامرات والقتل والانتهاكات لحقوق الفقراء والضعفاء والكادحين في ظل أنظمة رأسمالية مستبدة يقودها والأسياد والكهنة والزعماء ، فمن ذلك الواقع الدموي المرير اخرج الله امة أعد لها إعدادا عقائديا وميدانيا ، مذللا أمامها كل الصعاب ، اشرف عليها بعلمه وبخبرته منذ بزوغها حتى استوت على ساقها ، بدأت برجل وانتهت بأمة ، المثل يعكس لنا إرادة الله العظيمة في تغير موازين من كان له وزن في الدنيا ، ليرفع أمم ويضع أخرى ، والفتح خير دليل فيه نهاية التحالف المكي الرأسمالي ، وبداية النهاية للنفوذ الفارسي والروماني على المنطقة ، قال الله محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، سيماهم في وجوههم من اثر السجود ، ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ، المقصود هنا توراة وإنجيل القران ، لان المؤمنين من أهل الكتاب أعادوا تدوين كتابي التوراة والإنجيل استنادا الى ما نقله التنزيل من الماضي الغيبي الى حاضر الدعوة القرآنية ، مثل التغير الشامل للمنطقة العربية ، كزرع اخرج شطأه فأزره فاستغلظ فاستوى على سوقه ، يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ، وعد الله الذين امنوا وعملوا الصالحات منهم ، مغفرة وآجرا عظيما
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً{29}