|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

يحي عباسي بن أحمد
2025 / 12 / 6
لم تعد الخيانة في السياق العربي مرتبطة بسلوك فردي أو قرار سياسي معزول، بل تحوّلت — في ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية — إلى بنية كاملة تعمل بهدوء وانتظام داخل أنظمة الحكم. فالسؤال اليوم لم يعد: من خان فلسطين؟ بل: كيف صارت الخيانة سياسة؟ وكيف سقطت فلسطين من حسابات السلطة وبقيت في وجدان الشعوب؟
1. حين تنفصل الدولة عن الأمة
في التجربة العربية الحديثة، لم تنجح الدولة في أن تكون التعبير السياسي عن الأمة، بل تحولت — في كثير من النماذج — إلى جهازٍ لإدارة الأمن، وضبط المجتمع، وتأمين البقاء في الحكم. ومع هذا التحول، تغيّرت وظيفة السياسة:
لم تعد فلسطين قضية وجود، بل أصبحت:
ملفًا تفاوضيًا، عبئًا دبلوماسيًا، ورقة مقايضة في سوق التحالفات.
وهنا بدأ الانفصام التاريخي:
الشعوب ترى فلسطين معنى الكرامة، والأنظمة تراها خللًا في معادلة الاستقرار.
2. ثلاثة أنماط للخيانة… ونتيجة واحدة
يمكن تصنيف المواقف الرسمية العربية من فلسطين في ثلاثة أنماط رئيسية:
أولًا: أنظمة التطبيع
وهي التي حوّلت العلاقة مع الكيان الصهيوني من عداء إلى شراكة أمنية واقتصادية. هذه الأنظمة لم تطبّع حبًّا في السلام، بل خوفًا من شعوبها، وبحثًا عن حماية خارجية تضمن بقاء السلطة.
ثانيًا: أنظمة الصمت
لا تُطبّع علنًا، ولا تدعم فعليًا. تمارس سياسة “الحياد الأخلاقي”، وهي في الحقيقة أخطر من التطبيع، لأنها تُميت القضية ببطء، وتمنح الخيانة قناعًا ناعمًا.
ثالثًا: أنظمة الدعم الشكلي
ترفَع خطاب المقاومة، لكنها لا تترجمه إلى سياسات. تستخدم فلسطين كـ”ديكور شرعي” لامتصاص غضب الشارع، دون أن تدفع أي كلفة حقيقية في الصراع.
ورغم اختلاف الخطاب، فإن النتيجة واحدة:
تحييد فلسطين عن دورها التاريخي كقضية تحرر مركزية.
3. لماذا بقيت فلسطين حيّة في وجدان الشعوب؟
لأن فلسطين لم تدخل الوعي العربي من بوابة الدولة أصلًا، بل من بوابات أعمق:
من الدين، من الحكاية الشعبية، من الأغنية، من ذاكرة النكبة، ومن صورة الطفل تحت الركام.
الدولة حاولت احتكار الرواية، لكن فلسطين أفلتت من هذا الاحتكار، لأنها سكنت الوجدان قبل أن تسكن الخطاب الرسمي.
4. الأقصى… الرمز الذي يفشل في التدجين
يمثل المسجد الأقصى أخطر نقطة تماس بين الوجدان الشعبي والأنظمة. فهو ليس رمزًا سياسيًا فقط، بل عقدة دينية وتاريخية وروحية، توحّد الشعوب خارج الانقسامات المذهبية والإيديولوجية. ولهذا، فإن كل عدوان على الأقصى يتحول إلى أزمة شرعية صامتة للأنظمة، لأنه يعيد تذكير الشعوب بما حاولت السلطة نسيانه.
5. من الخيانة السياسية إلى السقوط الأخلاقي
الأخطر من الخيانة السياسية هو ما تلاها:
انهيار المعنى الأخلاقي للدولة.
حيث استُبدلت مفاهيم:
التحرير بالاستثمار
الكرامة بالاستقرار
الأمة بالسوق
وهنا لم تعد فلسطين فقط ضحية الاحتلال، بل أيضًا ضحية السياسة بلا أخلاق. لاستثناء الجزائري: حين تتطابق الدولة مع الذاكرة
وسط هذا المشهد العربي المأزوم، تبرز الجزائر كحالة نادرة:
ليست لأنها تملك قوة خارقة، بل لأنها لم تفصل بعدُ بين ذاكرتها الثورية وفلسطين.
1. فلسطين في الوعي الجزائري ليست ملفًا سياسيًا بالنسبة للجزائري:
• فلسطين ليست “قضية خارجية”،
• بل امتداد رمزي لتجربة الاحتلال التحرري.
الجزائري يرى في الفلسطيني:
• صورة أجداده تحت الاستعمار،
• ويرى في الانتفاضة صورة ثورته،
• ويرى في الأقصى صورة مسجد قُتل في ساحته الشهداء.
لهذا، لم تدخل فلسطين الوعي الجزائري من بوابة الإعلام، بل من بوابة الهوية الثورية.
2. استمرارية الموقف الرسمي: من الثورة إلى الدولة
على خلاف أنظمة كثيرة غيّرت بوصلتها بتغيّر التحالفات، حافظت الجزائر — رغم التحولات — على:
• رفض التطبيع مبدئيًا،
• دعم فلسطين سياسيًا ودبلوماسيًا،
• اعتبارها قضية مبدئية لا ظرفية.
ليس لأن النظام الجزائري بلا تناقضات، بل لأن فلسطين في الجزائر ليست مجرد سياسة، بل جزء من الشرعية الرمزية للدولة نفسها.
3. حين يسبق الشعب الدولة
في جميع المحطات الكبرى:
• الانتفاضات،
• الحروب،
• الاعتداءات على الأقصى،
كان الشارع الجزائري:
• أسرع من الموقف الرسمي،
• وأصدق من الحسابات،
• وأكثر وضوحًا من الدبلوماسية.
الجزائر لم تُجبر شعبها على حب فلسطين، بل فشلت — لو حاولت — في انتزاعها من وجدانه.
6. خلاصة المعنى
سقطت فلسطين من خرائط القرار الرسمي، لكنها لم تسقط من خرائط الوعي.
سقطت من البروتوكولات، لكنها بقيت في العقيدة والضمير.
الأنظمة تخاف فلسطين لأنها تفضح:
زيف السيادة، كذب الخطاب القومي، حدود “الواقعية السياسية” حين تنقلب إلى تبرير للخيانة.
أما الشعوب، فترى في فلسطين آخر مرآة للكرامة.
ولهذا، كلما تقدّمت الخيانة خطوة، عاد الوجدان الشعبي خطوتين.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |