-ذاكرة الأسامي- للأديب الراحل محمد الفشتالي - أجمل القراءات هي تلك التي تأتي متأخرة، لكنها تصل في الوقت المناسب تماما.

عزيز باكوش
2025 / 12 / 5

أن يهديك صديق قاصٌّ وأديب مجموعته القصصية سنة 2015، بإهداء صفي نبيل ثم تضعها جانبا في انتظار أن تتهيأ لحظة صفاء ذهن للقراءة، فذلك أمر عادي جدا. حتى أنهه يشبه ما تفعله الحياة بنا حين نؤجل القيام ببعض الأشياء حتى وقت نراه مناسبا. تمضي السنوات سريعا تتكاثر الالتزامات، مثلما تتراكم الكتب على الرفوف وتتكدس الذكريات في الممرات الضيقة للذاكرة. ومع التقدم في العمر، تترسب الالتزامات في القاع ويصبح النسيان رفيقا لا يستأذننا في مشاويره. فيمحي بقدر لئيم كل ما أجلناه.
امتدت يدي بعفوية، فوقعت على "ذاكرة الأسامي" الكتاب ذاته الذي أهدي إلى قبل عشر سنوات وأجلت قراءته ذات ربيع بعيد " بخط يد مؤلفه " إلى العزيز باكوش إنسانا وصديقا وإعلاميا مائزا مع مودتي دوما تازة في 15-12 2015 " محمد الفشتالي “هذا حصل معي وسأرويه لأحبتي بالشذرات عطفا. عشر سنوات كاملة مضت. قبل أن أتجاسر في صباح بارد ممطر على غير العادة، لقد قادتني بوصلة الفضول نحو مكتبتي. والصدق يقال دائما، فإن لحظة فتح الغلاف كانت تشبه استعادة صداقة قديمة بنداء الحاضر. وكأن روح صاحب الكتاب الذي فارق الدنيا في العام نفسه، تهمس لي بنبرة عتاب لطيف: أخرت القراءة كثيرا يا صديقي، لكنك جئت أخيرا.

والكتاب المومأ إليه “ذاكرة الأسامي" تحفة أدبية ناضجة للغاية. عبارة عن مجموعة قصصية صدرت للمبدع المغربي الراحل محمد الفشتالي بالقاهرة عن مؤسسة روافد للنشر والتوزيع المصرية. يعتبر هذا الإصدار هو الثاني في ريبيرتوار الراحل بعد “قطار المدينة "الصادر عن منشورات وزارة الثقافة سنة 2005. كتاب جاء في 108 صفحة مزدان بلوحة وغلاف أنيق يتضمن 13 قصة وهي على التوالي - مترجم أعمى - تليفيريك المدينة – ذاكرة الأسامي - الرجل الأفقي -الرفع والنصب والخفض -البطاقة - مدينة النحاس – مأتم سيار – المايسترو – لا أحلم – مقامة طارئة -رواية رأس الغول – الرقم العرقوبي.
على ظهر الغلاف نقرأ ‘ سادرا انطويت، بل اندفنت غارقا في قناعي...كيف لي أن أغير الآن على السابق واللاحق مما ابتليت به؟ نسيت كل الأسماء التي كانت تراودني. نسيت اسمي أيضا! تناهت إلى أصوات خفيضة، كأنها مكتومة. صوبت عيني باتجاه غرفة يشع منها نور شفيف أحمر... أواه...أجساد مشتبكة في عراك حميم! دارت بي الدنيا في هاته اللحظة. ترجيت أن يكون الانتظار قاتلا كعادته؛ على الأقل لأولي أدراجي، ولا أرى أبا الخفافيش القوي الرهيف؛ يعود من جديد...كلمات ترتعش، وتذوب في موسيقى خافتة؛ تنساب، تتعرج، تصعد القمة، وتسري في أجسام محمومة. تضاعفت دقات قلبي، وتسارعت. تحطمت أعصابي، وفرغت من أي إحساس. نسيت كل الأسامي، بما فيها اسمي. سقطت ذاكرة الأسماء.

في سيكولوجيا الأدب، هناك كتب تُقرأ وكتب تُؤجَّل، وكتب لا تفتح إلا حين تتهيأ أرواحنا لاستقبالها. و"ذاكرة الأسامي" بدا اليوم كأنه ينتظر هذه العودة، ليمنحني ليس فقط قصص صديقي الراحل الفقيد ذ محمد الفشتالي، بل روحه وحضوره في العمق، ودفء زمن جمعنا، وحرف التأمنا حوله، وهوس بالمعنى سكننا بأكمله. فالقراءة هنا لا تُشبه اكتشاف كتاب بل أشبه بزيارة ضريح رمزي لكاتب إنسان رحل وجوديا لكنه لم يرحل رمزيا لقد ترك أثره في نصوصه أثرا خالدا، وترك أثره فينا من خلال هديته التي صبرت دهرا قبل أن نقلب مواجعنا في بياض أوراقها.
في قصته الرائعة -تلفريك المدينة- يعري الكاتب أوهام الانتخابات بتازة مسقط رأسه وزيف أطروحاتها حيث راج في تلك الحقبة ولأهداف انتخابية محضة، مشروع إحداث تلفريك يربط بين تازتين السفلى العليا عبر مقصورات سياحية في الأعالي كما هو عليه الأمر كمدريد وباريس وطوكيو وفي الدول الاسكندنافية." وفيما يشبهه السخرية السوداء يصف التلفريك كما لو أنه منجز سياحي واقعي بالمدينة " توجد محطات ولوج فيهها تسحب التذاكر وهها أنتم تحيون المدينة من عل في طواف يستجلي أملاك معالمها: باب الجمعة بسلمها الحجري ،سلسلة أسوار باب الريح ،أين تتوالد دورات الرياح والعواصف الجامع العتيق بأبوابه التسعة باب الزيتونة اسم لذاكرة الأشجار المشور الفسيح ببواباته القديمة باب الشريعة حيث ساد تاريخ العدول ثكنة البستيون تاريخ للمدافع بوابات اسوار حصون قلاع أبراج مراصد اضرحة حمامات فنادق افران مداخن أزقة ضيقة دروب متعرجة سقيفات أقواس سبل ملتوية مفتوحة وأخرى مغلقة سراديب ملاجئ باب سقايات مدارج سقوف قرميدية سطوح متحاذية صنابير نافورات مداخل قصور صغيرة أفنية صفوف الدور أسواق وسابلة نتطلع الى اسرار المدينة في سطوع لكن على عكس ما كان في السابق . أي أننا نشرئب إلى الأسفل من الأعلى والمدينة التي كانت منذ القدم عليا وسفلى تصير كلها سفلى وطيئة وأنتم الأعلون سائرين وهي تستمر تحتكم تكشف خباياها تجيبكم أزقتها زقاقا زقاقا عما تنتجوه من سؤال حولها فهي من عل جلية عارية لا تكتم سرا ص13


جمعتني بالأديب الراحل محمد الفشتالي مهنة التدريس بالمناطق النائية بإقليم تازة سنوات الثمانينيات وبداية التسعينيات. بجبالها الوعرة وتضاريسها الصعبة الارتياد. كما جمعنا هوس الكلام والكتابة في كل الأجناس خارج التصنيف بحثا عن بوصلة تقودنا نحو ما نحب ونرضى. كتبنا الشعر في البدايات، وتغامزنا في تحرير العمود الصحفي السياسي الذي يفضح الانتماءات، ويضع مؤشرات التعاطف السياسي واضحة إما اليمين جريدة العلم أو اليسار الاتحاد الاشتراكي. وتهافتنا على نشر ما نبعثره في ساحة المجتمع حرفيا من أوجاع وأعطاب وانكسارات داخل المغرب وخارجه في قوالب تحرير أغلبها لم ير النور. وحينما يفلح أحدنا في تمرير منشور بالصحافة الوطنية، الاتحاد الاشتراكي أو العلم، يتم تسويق الشبهة الجاهزة على المقاس، الخيانة أو العمالة.

وقد طفت بيننا لفترات متباينة ميزة الكتابة والنشر وسياق النشر ومرجعياته الأيديولوجية ولا أخفي مشاعري حيث كنت أرجح أن من يكتب في الاتحاد الاشتراكي لحظتئذ هو الكاتب والأديب الذي يرجى الاحتفاء به. لذلك كان العديد من الأصدقاء لا يخفون الانتماء إلى اليسار قاعدة خلفية للتكوين والمعرفة. وكان الحزب الأبرز لتصريف هذه القناعة هو حزب الاتحاد الاشتراكي كتيار سياسي معارض. لقد وضعنا كشباب مشحون بالفكر اليساري آنذاك جميع ما نملكه من بيض ودجاج في سلة اليسار المنقذ من اليمين الذي حملناه كل سقطاتنا وأعطابنا المالحة. كان طموحنا ومستقبلنا الاجتماعي والسياسي ومفتاح كافة الأحلام التي رسمناها بخيالنا الجامع مع مرور الأيام يأتي على شكل قصائد وخواطر ومقالات شاردة ظلت لوقت طويل مجرد صدى دون رجع. ومع مرور الوقت، بات الحلم الكبير مجرد قطعة صدئة مثل أي سقط متاع ز لما دخلنا تحت مظلة الحكم وبشروطه.
كان العمل الثقافي في تلك الفترة بإقليم تازة نوعيا سواء من حيث مثقفيه أو جمهوره واحتراما للذين رحلوا، وتقديرا لمن ما زال نبضهم ينزف، نكف عن ذكر الأسماء خوفا من النسيان. شعراء أدباء فنانون تشكيليون صحافيون وإعلاميون سائرون على الطريق. قادمون من مختلف جهات الإقليم. وسرعان ما سيمتدد هذا الانفتاح حتى الأوريونطال شرق المغرب وجدة تحديدا. حيث تدفق على الإقليم جيل من الأساتذة والمثقفين واغتنت الساحة بالعديد من الأسماء والتجارب الثقافية، التي أغنت الحقل الثقافي وطورته. ومن نتائج هذا التلاقح بروز العديد من المنشورات الثقافية العالية الجودة تطورت وظهرت لاحقا في كتب وإصدارات عززت الساحة الثقافية، ليس في المغرب فحسب، وإنما في العالم العربي أيضا. سواء في مجال النقد الفني أو الكتابة الإبداعية بشكل عام. وبات الجمهور الثقافي يقرأ نفسه بالمنابر الإعلامية الشهيرة على الصعيد الوطني وملاحقها الثقافية الأسبوعية. وحسبنا هنا الإشارة إلى المجموعة القصصية المستنيرة "ذاكرة الأسامي " لفقيدنا الراحل محمد الفشتالي المطبوعة في القاهرة بجمهورية مصر العربية.
في" ذاكرة الأسامي" نسجل لغة عربية سليمة دون أخطاء. كان الراحل أستاذا للغة العربية ثم مديرا تربويا بإحدى المدارس. ولعل التدخين التدخين وبشراهة هو الشيء السيء الذي عجل بوفاته. بعد رحلة حياة مضمخة بالهم الثقافي كأستاذ مساهم ومعد ومنشط ومحتفى به كان الراحل مهووسا بفن القصة بكل تجنيساتها، كانت معشوقته التي أحكمت السيطرة على كل المعابر.
عدت إلى تلك اللحظة، لحظة النسيان والتأجيل العابث. لحظة ذكرتني وتذكرني بأن الكتب ليست أوراقًا تُقرأ، بل مواعيد مؤجلة مع أنفسنا وأن القراءة ليست فعلا ثقافيا فحسب، بل طقسا إنسانيا نُرمم به أوجاعنا وما تكسّر منا وما تبعثر. وهكذا كانت "ذاكرة الأسامي" تعيد إلى ذاكرة الزمن، وتذكّرني بأن أجمل القراءات هي تلك التي تأتي متأخرة، لكنها تصل في الوقت المناسب تماما.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي