|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

خليل الشيخة
2025 / 12 / 3
رياض الترك والدكتاتور
في أواخر السبعينات عندما قامت قومة الإخوان ضد (قائد المسيرة وصاحب الصمود المصدي) حافظ الأسد، كنت أسمع من أطراف أحاديث الناس في مدينة حمص أن هناك فصيل آخر غير الطليعة المقاتلة (التابعة للإخوان) يعارض النظام هو فصيل رياض الترك زعيم المكتب السياسي. حينها كنت مع بقية الناس نتراهن على سؤال: هل سيسقط نظام الأسد أم سيستمر رغم كل الشذوذ الذي حمله نظامه المتسلط. كنت دائماً اراهن على سقوطه لأحد أهم الأسباب وهو عدم كسبه أي شرعية عندما قام بالانقلاب إضافة إلى الدمار الشامل الذي عمل عليه لكل البنى الاقتصادية والسياسية وحتى الاجتماعية في سورية وتسليم الجولان. في تلك الآونة نشطت جماعة خالد بكداش في تأييد النظام من خلال الكتابات التي تخطها على الجدران في حمص ودمشق. لكن في أواخر 1980 سمعنا أن مخابرات الأسد القت القبض على الترك وهو مختبئ في العاصمة. وربما كان فصيل الترك أكثر جرأة من بقية المعارضة التي تكونت في عام 1979 تحت ما يسمى التجمع الوطني الديمقراطي. التجمع هذا كان يضم بضعة أحزاب قومية ويسارية اتفقوا على أن يرغموا النظام على التغير الديموقراطي وهذا أحد أسباب أضافة كلمة الديمقراطي إلى الاسم والديمقراطية هذه ستضاف إلى الكثير فيما بعد للأحزاب المعارضة للتوكيد على التعطش لها. في تلك الفترة بدأ نجم فصيل الترك يخمد وأخذ الإرباك يسيطر حتى على تنظيم الطليعة المقاتلة وذلك بعد أن اكتشفوا أن مسألة الاغتيالات لم تثمر في زعزعة النظام الطائفي الذي بناه الأسد. سيظهر ذلك للعيان بعد مجذرة حماة حيث ثبّت النظام قدمه في كل أرجاء سوريا وخرج منتصراً على الشعب السوري. ظل رياض الترك في سجنه الانفرادي حتى عام 1998 عندما شعر الأسد بأنه سيموت قريباً، وكانت مسألة التوريث تقلقه، فأخرج ما تبقى من الإخوان المسلمين من السجون وخرج الترك في تلك المرحلة. وبعد أن مات الأسد واخترعوا مسرحية تغيير الدستور حتى يحكم الولد الوريث. أتى الوريث وبدأت مسرحية أخرى تحت عنوان محاربة الفساد وإتاحة التعبير عن الرأي، وهذه الكركبات أتى بها ليأخذ شرعية من الشارع السوري، وصدقه معظم الناس وأخذوا يفتحون نوادي الأدب ونوادي للقصة والشعر أو ما يسمى بإنشاء جمعيات المجتمع المدني لكن حتى هذه اغلقها وزج بأصحابها في السجن وهذا بعد سنتين أو ثلاثة من حكمه. ظل رياض الترك يمثل صوت المواطن الخائف في سوريا والرجل الشجاع الذي قال في إحدى مقابلاته مع قناة الجزيرة " أن الدكتاتور قد مات وعلينا أن نبني وطناً ديمقراطيا يكون الأساس فيه تداول للسلطة ويتمتع به الجميع في العدل والحرية في التعبير عن الرأي. يومها كان أحمد منصور يجري مقابلة مع نزار نيوف الذي خرج من السجن حديثاً ومن ضمن هذه المقابلة اتصلت الجزيرة برياض الترك وسألته عن رأيه في التغيرات الجارية في سورية. بعد يومين، القوا القبض عليه وسألوه: لماذا أهنت الرئيس حافظ الأسد بكلمة الدكتاتور فرد (وهذا ما صرحه بعد سنتين من خروجه) أنا أوصف الحالة التي حكم بها حافظ الأسد.
في عام 2005 اجتمعت المعارضة المنهكة وأصدرت ما يسمى بإعلان دمشق الذي يؤكد على انهاء حقبة آل الأسد والحل الديمقراطي للمجتمع السوري وكان الإخوان المسلمون والمكتب السياسي لرياض الترك جزءاً منها. حدث ذلك بعد تورط النظام باغتيال رفيق الحريري، حيث فقد النظام أحد موارده المالية التي كان يشبّح فيها على اللبنانيين وفقد الكثير من هيبته. وفي العام ذاته ترك رياض الترك الأيديولوجية الماركسية وتوجه نحو اللبرالية السياسية ودعا حزبه بـ (حزب الشعب الديمقراطي) ثم تنازل عن زعامة الحزب لأحد الأعضاء ليثبت أن اسم الحزب بديمقراطي ليس مجرد أسم، بل ممارسة، يومها انتقده الكثير بأنه يتوجه نحو أمريكا الإمبريالية. هذا ما يثبت بأنه سياسي أكثر منه شخص مؤدلج. توفي الترك في فرنسا بلد المنفى عن عمر يناهز 93 سنة عام 2024 قبل أن تكتحل عيناه بسقوط أكبر نظام طاغيه في الشرق الأوسط.
ولد رياض الترك في مدينة حمص أو مدينة ابن الوليد كما يسميها أهل حمص عام 1930، وعاش يتيماً وتربى في الميتم الإسلامي الواقع في طلعة باب هود، وفي الغالب قد أثر هذا اليتم والمعاناة النفسية في نفسه وهذه، ربما، ارشدته إلى أن ينشد العدل لنفسه وللآخرين فانخرط في الحزب الشيوعي السوري الذي كان قد تأسس حديثاً. وهنا أريد أن انوه أن مسألة اليتم، هي بحد ذاتها معضلة شخصية ونفسية للبشر، لأن الإنسان إذا فقد الأب سيشعر بالنقص أمام الآخرين ويفقد هذه الحماية التي توفرها الأبوة وإذا فقد الأم سيشعر أيضا بالنقص لما توفره الأم من حب وحنان وعناية. وهنا يتجه هذا الشخص سواء كان ذكراً أو انثى، نحو اختيار إحدى الوجهتين، إما يعوّض هذا النقص بطريقة إيجابية ويكون عاملاً ايجابياً لنفسه وللمجتمع كما هو حال الترك أو ينخرط بالجريمة ويكون عدائياً للمجتمع لينتقم ليتمه فيصبح لصاً أو قاطع طريق أو أشياء كهذه.
عندما قام الشيشكلي بالانقلاب، دسه في السجن مع رفاقه الآخرين، وعندما قامت الوحدة مع مصر سجنه مرة أخرى عبد الناصر، ثم كما قلنا سجنه حافظ الأسد لا يقل عن 27 سنة، ثم أتى الوريث وسجنه أيضاً. حياة كلها سجن وتنكيل. من عادة الثورات أن تعطي وزناً لكل من ساهم بها، والترك واحد منهم واقترح أن يسمى أحد شوارع حمص باسمه كما لا ننسى الشهيد وأخوته عبد الباسط الساروت، فقد اعطى حياته كلها للثورة السورية.