العدالة المؤجَّلة وإعادة إنتاج اللاثقة

حسن صالح الشنكالي
2025 / 12 / 3

تمر اكثر من احدى عشرة سنة على الإبادة الإيزيدية التي ارتكبها تنظيم داعش الارهابي في 3 اب (اغسطس) عام 2014، وما زالت قضاء سنجار تعيش في حالة لا حرب فيها ولا سلام. في الظاهر، اختفى الرصاص وانحسرت المعارك، لكن الحياة اليومية للناجين تكشف عن واقع أكثر قسوة. فلايزال الاف النازحين محاصرين في مخيمات الإقليم، ينتظرون الإجراءات البطيئة والمعقدة للعودة، بينما تُسهّل الحكومة نقل عوائل الجلادين، الذين شارك ذووهم في القتل والسبي الايزيديين، إلى منازلهم بسهولة مريبة، دون مساءلة، ودون اعتبار لمعاناة الضحايا.
وعلى نقيض ذلك تحركت مئات الحافلات الحكومية المكيفة لنقل آلاف من عوائل داعش من مخيم الهول، إلى مخيم جدعة تمهيداً لدمجهم في المجتمع بينهم فارون من العدالة، بينما لا يزال الإيزيديون العائدون من النزوح انتظارهم في العودة وعند عودتهم في نقاط التفتيش، ينم تفريغ حمولتهم لغرض التدقيق والتفتيش ويدفعون من مالهم الخاص، ويخضعون لإجراءات أمنية صارمة، وكأنهم من يتحملون خطايا الجلادين. هذا المشهد لا يُظهر فقط غياب العدالة، بل يعيد إيذاء الضحايا نفسياً، ويعمّق حالة اللاثقة، ويحوّل الضحية إلى متهم يحتاج لإثبات براءته.

إضافة إلى ذلك، لا تزال البنية التحتية في قضاء سنجار مدمرة، ولم تُعَد إعمارها بعد. القضاء الذي يعد الوحيد في العراق الذي لا تُدار إداراته المحلية في موقعها الرسمي، ما زال مهمشاً، ويتنازع على إدارته العديد من القوى الأمنية، ما يزيد من إحساس الأهالي بالعجز والضعف. كما أن العفو العام الذي أفرج بموجبه عن عشرات الآلاف من المحكومين بمادة 1/4 إرهاب، والذين انتموا إلى تنظيم داعش، يبرهن على اختلال الأولويات: الجلادون يحصلون على الحماية، بينما الضحايا يظلون في حالة انتظار دائم للعدالة، ويعانون من غياب التعويضات الحقيقية. والأمر الأكثر غرابة هو أن البرلمان العراقي لم يعترف بالإبادة الجماعية، رغم اعتراف أكثر من 13 دولة أجنبية رسمياً بها، مما يزيد من شعور الإيزيديين بأن الدولة لا تنصفهم.

في هذا السياق، يوضح عالم السلام يوهان غالتونغ أن السلام السلبي هو غياب العنف المباشر مع استمرار العنف البنيوي والثقافي، وهو ما تعيشه سنجار: غياب المحاسبة، تعدد القوى الأمنية المتناحرة، تأخر عودة النازحين، تفكك الثقة بين المجتمع والدولة، وبنية تحتية مهملة. أما السلام الإيجابي، فهو الذي يتجاوز مجرد غياب العنف، ويشمل بناء منظومات العدالة والمساواة، وتعزيز الثقة، وإزالة أسباب العنف المستقبلية.

لتحويل هذا الواقع إلى سلام إيجابي مستدام، يجب إعادة هيكلة السياسات: ضمان عودة آمنة وكريمة للنازحين، إزالة الإجراءات المرهقة، وتقديم الدعم اللوجستي الكامل. ينبغي إنشاء آليات عدالة انتقالية توثق الجرائم وتضمن المحاسبة والتعويض، والاعتراف الرسمي بالإبادة. توحيد الإدارة الأمنية والمدنية، وإشراك الضحايا في اتخاذ القرار، خصوصاً في الملفات التي تمس حياتهم مباشرة، سيكون خطوة ضرورية لإعادة بناء الثقة تدريجيًا وتعزيز العدالة الاجتماعية.

السلام في سنجار اليوم ليس مجرد غياب القتال، بل هو سلام مجروح، هشّ، ومنقوص. الهدوء الظاهر يخفي خلفه بنية كاملة من الظلم، والسياسات التي تعيد جرح الإبادة كل يوم، وتحوّل الضحايا إلى أطراف ضعيفة في صراع مستمر. السلام الحقيقي لا يتحقق إلا بغياب الظلم، وبمحاسبة الجلادين، وتمكين الضحايا من استعادة حياتهم، وهو السبيل الوحيد لبناء مجتمع متماسك وآمن في سنجار وما بعده

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي