|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

مازن كم الماز
2025 / 12 / 3
الحديث عن الإنسانية بطريقة رومانسية هو شيء بلا معنى فالبشر مجرد جنس من الحيوانات منحته الطبيعة أسلحة أكثر فتكا لاصطياد سائر الحيوانات و حتى أبناء جنسه ، أن تكون إنسانا هذه منحة من الطبيعة و لا فضل لنا في ذلك ، أكثر من ذلك أن تكون إنسانا يعني أن تعيش في جماعة و أهم شرط لوجود هذه الجماعة هو سحق فردانية أفرادها و السيطرة على حياتهم و مصائرهم و حتى أفكارهم و وعيهم .... ليس الله وحده من لا يقبل بأقل من العبودية المطلقة أو الاستسلام الكامل من البشر ، كل شيء : الوطن الأمة الطائفة الخ كلها تضع مصلحتها فوق مصلحة أفرادها بل و تطالبهم بأقصى التضحيات في سبيلها ... الفرد أو الإنسان الذي يبحث عن مصلحته الشخصية و يفضلها على مصلحة الجماعة يعتبر خائنا أو متمردا أو خارجا عن الجماعة ، هكذا يمكن القول أن الإنسان إلى جانب صفاته الفيزيائية و الجسدية المعروفة التي تميزه عن غيره يمكن القول بأنه الكائن الأكثر عرضة للقمع في الكون المعروف ، صحيح أن وجوده في جماعة سهل عليه المضي قدماً في طريق "التطور" و منحه و يمنحه وعدا بحياة أفضل لكن هذا حدث عفوا بل إنه ليس الغرض من وجود تلك الجماعة بل إن وجود البشر في جماعات تحاول البقاء في حالة ثبات و جمود في مواجهة غيرها و مواجهة العالم كانت و ما تزال أهم عوائق هذا التطور ، في الحقيقة كل خطوة على طريق التطور كانت تتم على الضد من منطق و فكر الجماعة السائد و في وجه مقاومة هائلة جداً منها ، خذ مثلاً مسألة في منتهى البداهة كدوران الأرض حول الشمس ، ليس فقط أن البشر غالبيتهم العظمى قبلت بدون نقاش الفكرة الخاطئة عن مركزية الأرض لأغراض أنانية بل عملت على منع أي نقاش الفكرة و قمعت كل من قال بغير فكرتها السائدة وصولاً حتى قتل و إحراق كل من خالفها و كان انتصار فكرة بسيطة كهذه نتيجة تضحيات هائلة من أفراد خارجين على الجماعة و مقدساتها و كانت في نفس الوقت فاتحة لدفعة هائلة من التطور و التقدم المهددين في كل لحظة بهستيريا جماعية تعيد البشر إلى عصور الظلام مرة أخرى ..، بل إذا صدقنا ما يقوله البشر عن بعضهم البعض و عن أفكارهم و رغباتهم و مطامحهم لاعتقدنا أن نهاية البشرية قادمة لا محالة بل و وشيكة أيضاً ، يملك البشر أو لنكون أكثر دقة البشر المنضوون في جماعات صلبة ما يكفي من الكراهية و الجشع لينجزوا مثل هذا الانتحار الجماعي دون الحاجة لانتظار كارثة طبيعية تطيح بهم كغيرهم من الأجناس و الحيوانات بما فيها أعظمها على الإطلاق ... لكن أهم ميزات البشر إلى جانب ذكائهم المحكوم حتى اليوم بحالته القطيعية و الذي يمنعهم من استخدامه على النحو الأمثل ، هو مرونتهم فهم رغم صدقهم في كره الآخر و الرغبة في السيطرة عليه و نهبه و قتله كلما كان ذلك ممكناً دون عقاب ، قادرون على إخفاء مشاعرهم و غرائزهم المفترسة و تعديلها عند الضرورة لمشاعر حب و ود يطلقون عليها نزعة إنسانية ، لكنهم في الحقيقة ضباع تنتظر من خصمها أو فريستها أن تصاب بالوهن لتنقض عليها ، حتى مشاعر كالحب هي تعبير "راقي" عن غريزة جنسية بدائية ، لذلك لم يجد الفلاسفة والمفكرين في بحثهم عن جانب "إنساني" عند "إخوتهم من البشر" سوى الموسيقى مثلاً أو إبداعات فردية أخرى تقوم على علاقة خارج قطيعية فوق طبيعية بين البشر و الطبيعة أي خارج اشتراطات الغرائز البدائية كالطعام و الجنس ... هذه ليست دعوة لتقديس الموسيقى رغم قدرتها على إمتاع معظمنا و لا دعوة طوباوية لأنسنة الإنسان أو للي عنق الحياة أو حلم لتحويل القطيع إلى حالة أكثر عقلانية تعني في الواقع نهايته ، على العكس هي دعوة لقراءة واقعية لحال البشر و هم يدخلون مرحلة جديدة تماماً من تاريخهم و "تطورهم" ، حيث نجد ابن تيمية إلى جانب آينشتاين و نجد حبالا بل سلاسلا تقيد البشر و تدفعهم أجيالاً إلى الوراء و تحاول كما كان الحال دائماً منعهم من مساءلة مقدسات القطيع و تحولهم إلى أفراد ناضجين يملكون ناصية أنفسهم و عالمهم و يعيشون حياتهم بعيون مفتوحة بلا غشاوة و لا أوهام تافهة تمنحهم بعض السلام داخل القطيع بينما تزين عالمهم ليبدو مكرسا لهم وحدهم دون العالمين و في نفس الوقت تهددهم كجنس بفناء نهائي
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |