|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبد الحسين شعبان
2025 / 12 / 3
د. عاطف مغاوري
عضو مجلس النواب المصري ونائب رئيس حزب التجمع الوطني التقدّمي الوحدوي - مصر
يوشك أن يكمل عامه الثمانين، وخلال مسيرته الفكرية والسياسية والأكاديمية، تأثر بالميلاد والنشأة، حيث كان لهما الأثر الواضح في تكوين شخصية المفكر المجدد عبدالحسين شعبان، لكل ما آمن به، وبخاصة منهج الماركسية، حيث صنع توليفة فكرية عقائدية لم تعانِ من تناقض أو تصارع أو نفي أو إقصاء، مما مارسته واعتقدت به بعض التنظيمات الماركسية العربية، حيث جعلت منها حركة تبشيرية يقينية، مما أوقع الكثير منها في أخطاء، دفعت مقابلها أثماناً غاليةً من كوادرها وفرص تأثيرها.
رؤية مبكّرة
وكانت من عبقرية الدكتور عبد الحسين شعبان أنه دمج ومزج بين العمل الفكري والممارسة العملية والعمل الأكاديمي والنضال مع البعد الحقوقي والمسحة القانونية، التي ميّزت أعماله وأنشطته، وظهرت بوضوح جليّ باعتماده منظومة أخلاقية للمراجعة والنقد والنقد الذاتي، وفي الوقت نفسه مزج بين الثقافة والسياسة من جهة، والأدب بفروعه من جهة أخرى، ولاسيّما الرواية والشعر، فتشكّل وعيه مبكراً في بيئة ناضجة حية تنبض بالأضداد.. الرأي والرأي الآخر.
وتأثرت مسيرة الدكتور شعبان بالتفاعلات الحيويّة في الحياة الثقافية والسياسية في المجتمع العراقي والمنطقة العربية بمراحلها المختلفة، بتأثيراتها المتبادلة بين المدارس الأدبية والثقافية من العراق مروراً بالشام وصولاً إلى مصر، مثلما ساهمت قراءاته الثقافية للمدارس الفكرية والأدبية في الشرق والغرب، إضافة إلى أعلام الفكر والثقافة العالمية في أن يكون على ما هو عليه من انفتاح وتسامح وقبول للتنوّع والحق في الاختلاف.
ويمكنني القول إن شعبان لم ينفصل عن أصوله العربية والدينية طوال رحلته وتمرّده، حيث ربط ربطاً عبقرياً بين الدين، الذي هو منظومة قيمية كما يقول، والانفتاح على الثقافة والفكر الإنساني، والسعي من أجل تحقيق العدالة والمساواة، ولذلك أعمل الفكر في التواصل مع الثقافة الكونية، وأصبح ابناً باراً ملتزماً بالنجف ومجتمعها، بكل ثرائه وعمقه وتواصله الإنساني بين مختلف اللّغات والإثنيات، في جو تسامحي تسوده المشاعر الروحانية، والقبول بالآخر وتعظيم المشتركات.
كما عاش الدكتور عبد الحسين شعبان فترات التطورات السياسية للعراق، الوطن والبيت الأول من حيث النشأة والتطوّر، والذي تشرّب ثقافته وأعاد إنتاجها بمفهوم عصري ومتنوّع، وهو الذي أثرى تجربته مبكراً، فما كان من الشاب المتطلّع للتجديد، إلّا أن يطرح السؤال بعد السؤال، ويثير الموضوع تلو الموضوع في جدوى استمراره في الأطر التنظيمية التقليدية، وكانت تلك بداية الإرهاصات الأولى، وخلفيةً للتمرّد التي أتاحت له فرصة المراجعة والنقد والنقد الذاتي، وقدراً كبيراً من الاستقلالية، علماً بأنه يعيش، بكلّ جوارحه، معارك الوطن وصراعاته الداخلية أو معاركه الإقليمية بحكم الجغرافيا والتاريخ، مدّاً وجزراً، اقتراباً وابتعاداً، مشاركاً ومفارقاً، لكنه، وفي أشد مراحل الخلاف والصدام، لم يقع في الفخ الذي وقع فيه البعض من المعارضين والسياسيين العرب عندما تحالفوا مع العدو، والذي مثّل إسقاط للقانون الأزلي للتناقضات الثانوية والتناقضات الرئيسية في إدارة الصراع.
لقد حرص الدكتور عبد الحسين، وانطلاقاً من وعيه ووطنيته على عدم نسيان تلك القوانين الخاصة بالتناقضات الرئيسية والثانوية طوال مسيرته السياسية والنضالية، وهو ما جعل منه بمثابة الجامعة التي نشأ وتربى فيها لتأسيس وعي وطني جديد، ينطلق من ذات المبادئ مع أخذ التطورّات والمستجدّات بنظر الاعتبار، وهو ما تأثّر به الكثير من شباب التيار اليساري العربي، حتى غدا شعبان أيقونة اليسار العربي، بل الحركة اليسارية العربية بمختلف تنويعاتها، وجعل منه الشخصية العربية التقدمية، التي يلتقي عندها ويلتف حولها ويعتنق مبادئها، ويسير على دربها العديد من الشخصيات والقوى اليسارية العربية.
إبداعات مستمرّة
وكان من أبرز إبداعات شعبان دعوته التي باشرها عملياً منذ سنوات إلى حوار بين الأمم الأربع، ولاسيّما مثقّفيها (الترك، الفرس، العرب، الكرد)، مؤكّداً تعظيم المشترك الإنساني بينها، وصولاً إلى التكامل والتلاقح والتمازج والتعاون بديلاً عن الصراع واستنزاف القدرات والطاقات في ميادين لا جدوى منها، إذْ يقتضي الحال التنسيق والتعاون في ميادين البناء، وفقاً للمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة لشعوب المنطقة وأممها.
وبذلك أصبح الدكتور عبد الحسين شعبان اليساري المجدّد والناقد المبدع، دون إخلاله بالثوابت، بل العمل بمرونة لتعزيز الجوامع وتقليص الفوارق، وهو الذي يحظى بثقة العديد من مثقفي المنطقة، فهو شخصية متألقة في عالم السياسة والأدب، إضافةً إلى انشغالاته بالكتابة عن المثقفين العرب ومثقفي المنطقة، الأمر الذي يزداد فيه معرفةً وقبولاً من الآخر.
لقد مزج شعبان بعبقرية بين عقائد «الأمة»، وتأثيراتها المتقاطعة بحكم النشأة والمحيط الجغرافي والجوّ الانفتاحي الذي عاشه، وتمكّن بمهارة من أن يتحسّس آلام الآخرين ويدافع عن حقوقهم، ويدعو إلى التسامح وحلّ الخلافات بين التيارات السياسية بالحوار والتفاهم، وليس اللجوء إلى العنف أو القوّة، ولعلّ من آخر إبداعاته وعطاءاته الفكرية العمل على إنجاز التلاقي والتكامل، المتمثل بالحوار الثقافي العربي الكردي، والذي ظلّ يدعو إليه منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن للتخلص من الثنائية العدائية.
ويُعتبر المفكر شعبان أحد رموز مدرسة اللّاعنف في إدارة الصراعات والتناقضات العربية - العربية، أو ما بين العربية ومحيطها الإقليمي والتاريخي. لذلك كان من أول المبادرين إلى تأسيس وإعلان وتفعيل مجموعة السلام العربي - العربي لتحقيق الأمن والسلام الأهلي بين الأقطار العربية وداخل القطر العربي الواحد.
ويسجل للدكتور عبد الحسين شعبان أنه يرعى حقوق الآخر الذي لم يغتصب حقوق الأمة، لذلك كان موقفه على مدى مسيرته السياسية حاسماً تجاه العدو الصهيوني، ولم يسقط في مستنقع التطبيع بدعوى القبول بالآخر، الذي سقط فيه البعض، فالآخر بالنسبة له، هو الذي لم يغتصب حقوقك ولا ينفي وجودك، أو تحكمه عنصرية صهيونية تقوم على الاقتلاع والإبعاد والنفي والاحتلال وسياسة الفصل العنصري والتطهير العرقي.
لذلك كُتب لفكر الدكتور عبد الحسين شعبان وإنجازاته الفكرية والسياسية الاستمرار والخلود، تلك التي يرى فيها العديد من شباب الحركة السياسية العربية أنفسهم، وكأنه يتحدّث عنهم أو ينطق باسمهم.
إن شعبان، وهو على مشارف عامه الثمانين، هو عبد الحسين شعبان الشاب المجدد، المتمرد الباحث عن العدل والإنصاف، والمدافع عن حقوق الغير وجميع مكونات الأمة الثقافية والدينية، المؤمن بأن التنوع سرّ من أسرار الثراء، لذلك يحتفظ فكره ورؤاه بالحيوية والاستمرار والقبول، وبذلك يستحقّ -وعن جدارة- لقب أيقونة الحركة اليسارية العربية، بما يمثّله من رمزية فكرية شامخة، وقامة أخلاقية سامقة.
- مساهمة الدكتور عاطف مغاوري في كتاب جمر الحروف الذي صدر عن دار سعاد الصباح تكريمًا لدكتور عبد الحسين شعبان في يوم الوفاء 2024.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |