|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبدالله عطية شناوة
2025 / 12 / 3
مع ما جرى ويجري في غزة على يد الصهاينة، ومجازر الإرهابيين المتأسلمين في مدن الساحل السوري والسويداء وريفها، تتسع دوائر الشك المشروع بشأن تحضر الأنسان، وما إذا كان سيرورة ارتقائية دائمة، أم نزوة عابرة تعبر عن نرجسية الأنسان، ومسعى لخداع الذات وأخفاء جوهره المتوحش، وتجميله بمظاهر هامشية غير متأصلة في بناءه النفسي؟
والتساؤل هنا لا يقتصر على الأنسان في الشرق الأوسط حيث يتواصل التوحش باشد أشكاله انحطاطاً، بل يشمل أرجاء العالم، والإنسان فيه بما هو كائن يتفوق على كائنات كوكبنا الأرضي، من حيث القدرة الواعية وغير الواعية على التأثير في المحيط البيئي الطبيعي، بما ينعكس على كل موجودات الكوكب الحية وغير الحية.
فدورات العنف الهمجي الجماعي التي يندفع اليها الأنسان، أو يُدفع اليها، لم تتوقف أبدا، على مدى وجوده على كوكب الأرض. إلى جانب العنف الفردي، سواء داخل أسرته ومحيطه الحميم أو خارجه. بما يمكن أن يعتبر تلازماً موضوعيا بين الأنسان والعنف.
فالتأريخ البشري تأريخ حضارات قائمة على العنف، وتأريخ ملوك وقادة بنو أمجاد ممالكهم بواسطة العنف، وتأريخ غزوات وحروب قبلية، ثم حروبا إقليمية وعالمية، يقتل فيها الأنسان الأنسان ويسلب كرامته وحقوقه، ويكرهه على تقبل الخضوع، بمعنييه العبودي السافر، والعبودي المقنع. بما يتيح القول ان تأريخ الأنسان هو عملية تأرجح بين عبودية سافرة وعبودية مقنعة.
ولتبرير العنف اخترعت في العصور القديمة الأديان، التي يتقاتل أتباعها حول الدين الحق، واخترعت في العصر الحديث نظريات التفوق العرقي، القائمة على تراتبية توزع البشر وفق تراتبية الأرقى والأدنى. والتعامل العنيف مع الأنسان وفق موقعه من تلك التراتبية، وتجلى ذلك التعامل في ممارسات النازية، التي هيمنت على مجتمع كان يعتبر من أرقى مجتمعات أوربا والعالم من حيث تطور العلوم والفنون والفلسفات، هو المجتمع الألماني صاحب أرقى حضارة في حينه. ومن تجليات العنف ذات الصلة بهذا المجال عنف قومية ضد قومية أو قوميات أخرى.
وبذلك نرى أن منجزات العقل البشري: الدين، القومية وحتى الوطنية قد استخدمت لإيجاد أسباب للعنف وتبريره. ملايين البشر من التوتسي والهوتو قتلو بعضهم بعضا في بوروندي ورواندا في تسعينات القرن الماضي، لانحيازات قبلية نفست في الحقيقة عن نزعة عدوانية متأصلة في الأنسان بما هو أنسان، وليس بصفته انساناً منتميا إلى أي من الجماعتين القبليتين. أما الملايين الذين قتلوا في كمبوديا على يد نظام الخمير الحمر، في سبعينات القرن فقد نفس فيها الأنسان عن نزعة العنف تحت شعارات مساواتية إيدولوجية. وتتواصل جرائم الصهاينة في فلسطين بغطائين، الأول ديني يرتبط بوعد الهي مفترض بأرض موعوده، والثاني بمظلومية حقيقية، تستخدم للتستر على ارتكاب مظلومية جديدة لا صلة لضحاياها بالمظلومية الأولى. أي أن ضحية العنف الوحشي، وجد ان من حقه ممارسة عنف وحشي ضد إنسان بريء من المشاركة في ما تعرض له من عنف.
النزوع إلى العنف لا يقتصر على من يمارسه، بل يشاركه في هذا النزوع من يدعم الشخص أو الطرف الذي يمارس العنف، ويمده بوسائل إيقاع الأذى بالآخرين، ويدافع عنه بأية وسيلة من الوسائل، وكل قادر على وقف العنف وممتنع لأي سبب من الأسباب عن القيام بذلك، وهذا في الحقيقة موقف الولايات المتحدة والإتحاد الأوربي.
ملاحظة ختامية بشأن وصفنا للعنف بالوحشي وممارسي العنف بالمتوحشين، نحن نستخدم هذا الوصف لعجز لغاتنا عن إيجاد وصف مناسب، مع علمنا بأن إطلاق صفة التوحش على العنف البشري غير دقيق، وغير منصف للوحوش. فلا علم لنا بأي صنف من صنوف الحيوانات التي نصفها ب "المتوحشة" يقوم بقتل متعمد وجماعي لحيوانات من صنفها ذاته، وعنفها موجه في كل الأحوال تقريبا نحو فصائل أخرى من الحيوانات، ولا يستهدف إلحاق الأذى بالحيوانات المستهدفه، وأنما احتياجا للأكل والبقاء على قيد الحياة، بينما العنف البشري يستهدف إيذاء البشر الآخرين وسلب كرامتهم وأخضاعهم وأفناءهم، ليس بسبب الحاجة إلى البقاء، بل لإثبات التفوق وترسيخه قسرا على الآخرين وحتى التمتع السادي بالإيذاء والقتل.