|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زياد الزبيدي
2025 / 12 / 2
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
ألكسندر دوغين
فيلسوف روسي معاصر
2 ديسمبر 2025
مقدمة: الحرب ليست على الجبهة فقط
في مقاله بعنوان «مفتاح النصر في العملية العسكرية الخاصة يكمن في التسعينيات: إستسلام أوكرانيا لن يكون كافياً» المنشور في موقع تسارغراد، بتاريخ 26 تشرين الثاني/نوفمبر المنصرم يقدّم الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين أطروحة إستثنائية تقول إن النصر في الحرب الدائرة اليوم لا يتحقق على جبهات أوكرانيا فقط، بل «ينبغي التخلص من هزيمة داخلية تعود جذورها إلى تسعينيات القرن الماضي»، أي إلى اللحظة التي إنهارت فيها الدولة السوفياتية وتحوّل المجتمع الروسي نحو الليبرالية الغربية.
دوغين يكتب بوضوح لافت: «لن نستطيع الإنتصار هناك، إن لم ننتصر على أنفسنا هنا».
هذه الجملة ليست مجرد إستعارة، بل مفتاح لفهم رؤية دوغين لطبيعة الحرب: صراع في الخارج، ومعركة أعمق في الداخل، وصراع وجودي مع آثار التسعينيات.
أولًا: أوكرانيا كحرب على “العدو الخارجي”… و“العدو الداخلي”
يرى دوغين أن الحرب في أوكرانيا ليست فقط مواجهة عسكرية مع الغرب، بل مواجهة مع «الليبرالية» التي دخلت روسيا في مرحلة ما بعد الإتحاد السوفياتي. لذلك يشدد على أن المعركة مزدوجة: «إن نصرنا في أوكرانيا مرتبط بإنتصارنا على أنفسنا هنا».
ويعتبر أن «أوكرانيا» نفسها تمثل مفهوما تاريخيًا مشوَّهًا: «أعتبر مصطلحي "أوكرانيا" و“الأوكرانيين” مصطلحات منزوعة الشرعية تاريخيًا».
هذا الإلغاء للمفهوم القومي الأوكراني يأتي من قناعة دوغين أن هذه الهوية صاغها الغرب، وأنها ليست إمتدادًا طبيعيًا للفضاء الروسي التاريخي.
ثانيًا: “العدو الداخلي” — التسعينيات كخطيئة أصلية
المحور الأهم في المقال هو تحميل مسؤولية الوضع الحالي إلى مرحلة التسعينيات، التي يعتبرها دوغين منحرفة ومسمّمة للوعي الروسي.
هو لا يقول إن روسيا تخوض حربًا مع الغرب فقط، بل: «نحن أيضًا مذنبون… فنحن نُحارب أنفسنا وأعداءنا في الوقت نفسه».
ويطالب بمحاسبة التاريخ الروسي المعاصر: بعد النصر ستكون أيضًا محكمة لمرحلة التسعينيات».
إذن، ليست الحرب مجرد جبهة عسكرية، بل عملية تطهير سياسي–قيمي.
ثالثًا: حرب بوصفها “طقس عبور” — Rite de Passage
دوغين يقدّم إطارًا فلسفيًا للحرب بإعتبارها طقسًا إنتقاليًا يؤدي إلى ولادة دولة جديدة. ويستخدم مصطلحًا أنثروبولوجيًا معروفًا: «العملية العسكرية الخاصة هي طقس عبور».
هذا “العبور” سيؤدي — بحسبه — إلى نهاية شكلَي الدولة الحاليين:
•نهاية أوكرانيا بصيغتها الحديثة
•ونهاية روسيا بشكلها الذي نشأ بعد 1991
بل يذهب أبعد: «في المستقبل لن يكون هناك لا أوكرانيا ولا الإتحاد الروسي».
ما يقترحه ليس إصلاحًا سياسيًا… بل إعادة تأسيس كاملة.
رابعًا: نحو “الروسكي مير” أي "العالم الروسي" — إعادة التأسيس العقائدي
القلب الفكري للمقال هو الدعوة إلى تأسيس دولة جديدة تمثل ما يسميه «العالَم الروسي»، وهو مشروع يحمل بُعدين:
1. هوية روحية–حضارية مستعادة
2. إطار جيوسياسي جديد لدولة ما بعد الحرب
دوغين يرى أن روسيا الحالية — كما هي — غير قادرة على إنجاز هذا الدور، ويكتب: «نحن مضطرون لخلق شيء جديد… واعتماد دستور جديد».
بل يتحدث عن روسيا بوصفها دولة أبدية: «روسيا الأبدية، العظيمة، الطيبة».
ويضيف أن على روسيا أن «تنهض لإتمام المهمة العالمية التي أوكِلَت لها منذ معمودية روس».
هذا الخطاب يمزج العقيدة الدينية بالرؤية الجيوسياسية ويجعل من الحرب مشروعًا روحيًا – قوميًّا.
خامسًا: الشعب الروسي “شعب يعيش في المستقبل”
من العناصر اللافتة في طرح دوغين إعتباره أن الروس «لا يعيشون في الماضي أو الحاضر»، بل في المستقبل: «الشعب الروسي يعيش في المستقبل… وجوده يقع أمامه».
وهذا المستقبل — كما يحدد — هو كلمة واحدة: «وهذا المستقبل إسمه: النصر».
بهذا يضع دوغين فكرة النصر كجوهر الهوية الروسية ذاتها.
سادسًا: مصير سكان “الأراضي القديمة” — ما بعد أوكرانيا
يذهب دوغين نحو رسم مستقبل سكان أوكرانيا بعد “تحريرهم” كما يقول، معتبرًا أنهم سيحملون إسمًا جديدًا ودورًا جديدًا: «سيحملون إسمًا آخر… نبيلًا… أمامهم مهمة عظيمة».
إنها رؤية لإعادة دمجهم ضمن “العالم الروسي” لكن تحت صيغة جديدة تعتبرهم جزءًا من مشروع حضاري أكبر.
خاتمة: حرب لعالم جديد — لا إنتصار بدون ثورة داخلية
المقال يعكس رؤية دوغين المعروفة: الحرب ليست معركة على الأرض فقط، بل ولادة جديدة لروسيا.
وتقوم أطروحته على ثلاثة أعمدة:
1. النصر الخارجي غير ممكن دون تطهير داخلي من إرث التسعينيات.
2. الحرب هي عبور حضاري نحو دولة روسية جديدة.
3. المستقبل الروسي هو “نصر” يتجسد في تأسيس “العالم الروسي”.
وفي النهاية، يقدم دوغين الخلاصة الأكبر: «النصر يجب أن يتحقق في روسيا كما يتحقق في أوكرانيا… وفي الوقت نفسه».
بهذا الخطاب، يُحوّل دوغين الحرب الجارية إلى مشروع وجودي يعيد تعريف روسيا وهويتها ودورها العالمي.