|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
2025 / 12 / 2
تُختَبر حدود المشروع التقدمي في نيويورك عند مفترق طرق تاريخي: إما أن يتحول إلى أداة لتحسين إدارة الأزمة الرأسمالية، أو أن يصير منصة لتفكيكها. تُظهر التجربة أن الإصلاحات الجزئية، رغم أهميتها، تبقى عُرضة للاستيعاب ما لم تُرتبط باستراتيجية طبقية أوسع تهدف إلى تغيير موازين القوى الهيكلية (لينين، الدولة والثورة).
تتكشف حدود الإصلاح في عصر الإمبريالية من خلال تحييد الرأسمالية الإمبريالية للمكاسب المحلية عبر آليات متشابكة: هروب رأس المال، حروب القانون، ضغوط الديون، وعقوبات الأسواق المالية. فمحاولات فرض ضرائب تصاعدية تواجه حملات تشريعية، وسياسات الإسكان العادل تُحاصر بشبكات التمويل العالمي، فيما يحوّل تراكم رأس المال المكاسب الاجتماعية إلى فرص استثمارية جديدة (هارفي، الإمبريالية الجديدة).
يَكمُن السر في الانتقال من المكاسب الجزئية إلى التراكم الاستراتيجي في تحويل الانتصارات المؤقتة إلى قوة مستدامة عبر ربط النضالات المحلية بحركات عالمية مضادة للرأسمالية، تحويل المكاسب المؤسسية إلى قواعد انطلاق لنضالات أوسع، بناء مؤسسات شعبية موازية قادرة على خلق حقائق جديدة، وتطوير أدوات اتصال مستقلة تكسر احتكار السردية الرأسمالية.
يشكل التنظيم الشعبي المستقل الدرع الواقي للإنجازات التقدمية من استعادة النخب لها. فبدون قوة قاعدية قادرة على الإضراب، الاحتلال، والمقاطعة، تتحول السياسات التقدمية إلى حبر على ورق. تبرز التجربة النيويوركية أن التنظيم القاعدي، من لجان المستأجرين إلى اتحادات العمال ومراكز التعليم الشعبي، يمكن أن يُترجم انتصارات صغيرة إلى قوة استراتيجية مضادة (ماركس، رأس المال).
تقدم نيويورك نموذجًا حيًا لإمكانية بناء كتلة تاريخية مضادة تجمع بين العمال المنظمين، سكان الأحياء في لجان المقاومة، المهمشين في حركات المطالبة بالحقوق، والمثقفين العضويين في معاهد البحث البديلة. هذه الكتلة قادرة على خلق ثقافة مضادة تعيد تعريف مفاهيم العدالة والديمقراطية والتضامن (غرامشي، دفاتر السجن).
تقتضي الرؤية الاستراتيجية ربط معارك البلدية اليومية بالصراع الطبقي الشامل، بحيث يصبح كل ملف — الأمن، الإسكان، النقل، الضرائب — جزءًا من خطة تراكمية تعيد تشكيل المدينة وفق مصالح الأغلبية العاملة. يضمن هذا الربط بين التكتيك والاستراتيجية أن كل انتصار جزئي يتحول إلى حجر أساس في بناء قدرة تاريخية طويلة المدى، تعيد صياغة شروط الهيمنة وتخلق أفقًا للتحرر الطبقي.
تقدم تجربة نيويورك دروسًا بالغة الأهمية: السلطة المحلية ساحة صراع لا غاية، والزمن الثوري يُصنع في الشارع، والوحدة تُبنى عبر النضال، والبدائل تُخلق بالممارسة اليومية. إن قدرة الحركات الشعبية على الصمود وتنظيم قواعدها وربط النضال اليومي بخطط استراتيجية طويلة المدى هي ما يُحوّل الاحتجاج إلى قوة تاريخية، قادرة على تحدي الرأسمالية وتحويل الزمن الانتخابي القصير إلى تراكم مستمر للقدرة التاريخية.
"الثورة ليست حدثًا مستقبليًا، بل ممارسة يومية نصنعها في شوارعنا، أحيائنا، ومدننا."
العمدة الأحمر.
"الثورة ليست حدثًا، بل تراكم قوة شعبية منظمة تُعيد صياغة المجتمع بأسره."
فريدريك إنجلز.
بذا تنتهي هذه السلسلة التي تتبعت الصراع الطبقي في نيويورك من بوابة البلدية إلى عمق البنية الإمبريالية التي تتحكم في تفاصيل الحياة اليومية. يتضح أن فوز العمدة الأحمر لم يكن سوى مدخل لقراءة أوسع تُظهر أن السلطة المحلية ليست حيّزًا إداريًا محايدًا، بل ميدانًا تتواجه فيه الطبقات، تتنازع فيه القوى الاجتماعية، وتُختبر عبره حدود الممكن ضمن نظام رأسمالي يحاول امتصاص كل محاولة للتغيير. تبيّن في فصول السلسلة أن الشارع العمالي، وتحالفات القواعد، ولجان المستأجرين، والحركات الراديكالية، هي التي تمنح أي مشروع تقدمي قدرته التاريخية، وأن البلدية لا تتحول إلى أداة في يد الطبقة العاملة إلا حين تتكامل مع تنظيم شعبي مستقل يخلق وقائع جديدة على الأرض. يتضح كذلك أن التناقض داخل التحالف التقدمي ليس عيبًا ثانويًا بل جزء من المعركة نفسها، وأن حلّه لا يتم بالمساومات بل بترسيخ خط يربط إصلاحات اليوم بأفق التغيير الجذري غدًا، عبر تحويل معارك الأمن والإسكان والمواصلات والضرائب إلى مسارات تراكمية طويلة المدى. تكشف هذه السلسلة أن الزمن الثوري لا يُمنح بل يُصنع، وأن بناء الكتلة التاريخية المضادة هو الشرط الذي يفتح أفقًا لتحول سياسي يتحدى سيطرة رأس المال في قلب المدن العالمية. إن درس نيويورك ليس محليًا ولا أمريكيًا فحسب، بل هو درس لكل حركة تسعى إلى تحويل السلطة من إدارة للأزمة إلى أداة للتحرر، ولكل من يريد أن يرى كيف يمكن للمعارك اليومية الصغيرة أن تراكم قوة تغيّر موازين التاريخ.
النضال مستمر،،
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |