|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
كاظم حسن سعيد
2025 / 12 / 2
( يأتي النص كاعتراف حميم بين الإنسان والطبيعة، بين غصن ياسمين محطّم وإنسان يبحث عن أثر طريّ وسط صحراء الإسمنت.
هو نص يبوح به الأستاذ كاظم حسن سعيد عن الجمال حين يموت في المساحات العمياء، وعن تلك الرغبة الغريزية في إنقاذ شيء ناعم من طاحونة القسوة اليومية.
هنا لا يتكلم الغصن بوصفه نباتا، بل بوصفه استعارة للروح:
روح تُلقى على الرصيف وتُدهس… وتظل مع ذلك تحاول أن تفوح.
يفتتحه بلقطة درامية صادمة:
قوله "رموه على الرصيف قرب قمامة
داسته الأقدام… في انتظار قطيع ماعز يقضمه"
إنها سردية السقوط:
غصن ياسمين رمز الطهر والرائحة والبياض يُلقى بين بقايا العالم.
هنا يشتغل الكاتب على مفارقة حادّة بين:
الجمال الطري
البيئة العمياء
وكأن الياسمين لم يسقط صدفة، بل لأن العالم لم يعد قادرًا على الاحتفال بالجمال
ثم يرسم المشهد الحضري كفضاء للخوية العاطفية:
في: الشارع "مقفر" "صدعتني الشمس" "مدينتي حجر بلا حدائق"
هذا رسم لمدينة لا مكان فيها لشيء حيّ، مدينة مكوّنة من:
حجر
حرّ
صمت
رتابة معدنية
هذا يذكرنا بعبارة سارتر: "المدينة التي لا ترى الأشجار، تُصاب أرواح ساكنيها بالتجفيف البطيء". كن النص لا يصرّح، بل يترك الصورة ذاتها تشرح الجفاف.
عندما يقول الكاتب:أنقذته من التهميش وفقد الأم والعريشة" فهو لا ينقذ الياسمين فحسب؛ إنه يحاول إنقاذ نفسه من الإحساس باليأس.
الإنقاذ هنا ليس فعلا ماديا فقط، بل فعل مقاومة روحية، كأنه يقول: "أريد أن أؤمن أن شيئًا يمكن إنقاذه" هذا يتناغم مع ما نقوله دائما:
"النص الجميل يبحث عن مساحات العزاء داخل الخراب"
ثم بانسيابية جميلة جعل الكاتب أ.كاظم خاتمة النص قلبه النابض ، يقول: "لو تركتني احتضر… لأن الجمال لا يتأقلم مع العمى، والأرواح التي لا تكنز العطور" هذه الجملة ليست مجرد تشخيص شاعر للطبيعة؛ إنها صرخة فلسفية عن:
هشاشة الجمال
عجز العالم عن رؤيته
موت الأرواح التي لا تلتقط العطر
هنا يصبح الياسمين مجازا للإنسان الذي لا ينسجم مع الابتذال.
تمامًا كما قال محمود درويش:
"الجمال جريمة في المدن الرمادية
الرؤية الوجودية للنص، صنعها الجمال ككيان لا يحتمل القبح فالياسمين يموت ببطء لأنه:
خارج عريشته
خارج سياقه
خارج المكان الذي يسمح لروحه بأن تنبض
وكأن النص يعيد إنتاج فكرة كامو:
"ما لا يجد مكانه في العالم… يتلاشى"
الجمال هنا ليس قيمة أخلاقية، بل حالة وجودية تحتاج إلى بيئة تتنفس فيها.
ثم نقف أمام إنسان يرى ما لا يراه الآخرون، فالسارد هو الوحيد الذي توقّف عند الغصن.
الآخرون مرّوا.
لم يروا.
لم يهتموا.
هنا يستدعي النص مفهوما وجوديا عميقا:
ليس كل الناس يمتلكون حسّ الالتقاط
وليس كل الأرواح “تكنز العطور”
بعضهم عميان حتى لو كانت زهرة بيضاء تلمس أقدامهم
نأتي إلى اللغة ذلك القالب الذي يدهشنا به دائما وجمالياتها مع كاظم حسن سعيد الكاتب العراقي، الذي اعتمدها اقتصادية مشحونة
فالجملة قصيرة لكنها عالية الكثافة:
"مدينتي حجر بلا حدائق"
"بحثته لأتعرف عليه"
"قال لي…"
كل جملة في لوحته طعنة ناعمة في قلب المدينة.
كمزيج بين اللغة المحكية والصورة الشعرية:
"شمس الباقلاء" مثال ممتع على لغة صادقة من البيئة،
تعمل في النص بوصفها:
ملمسا محليا
واقعية تشدّ الصورة إلى الأرض
في مقابل:
الياسمين
العطور
الأم والعريشة
هذا المزج بين "التراب" و"الرائحة" يجعل النص أكثر تجذرا وقوة.
ثم قدرته على التوليف بين المشهد الواقعي والدلالة الفلسفية.
في لغة مكثفة بلا ادّعاء، صافية وبسيطة وعميقة
صورة الياسمين التي تتحوّل من نبات إلى "كائن متألم".
البناء الهادئ الذي يقود إلى الخاتمة بوصفها انفجارًا دلاليا.
حضور الحسّ الإنساني الرقيق خلف السرد، كلها نقاط قوة دعمت المشهدية في نصه وجمال اللغة فيه
ليس النص عن غصن ياسمين
بل عن الروح حين تجد نفسها بيضاء في عالم رمادي.
إنه نصّ يضع القارئ أمام سؤال وجودي مؤلم:
هل يبقى الجمال حيًا إذا كانت الأرواح لا ترى… ولا تشم… ولا تحس؟
أم أن مصيره أن يموت قرب القمامة مهما حاول أحد إنقاذه؟
هذه الوقفة السريعة ليست إلا إضاءة خافتة، لأن النصّ نفسه يفوح بما يكفي من العطر كي يكتب عنه أكثر.)
لامية عويسات
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |