قراءة في مبادرة أوجلان للسلام

صالح بوزان
2025 / 12 / 2

يعد المثقفون والساسة الكرد الذين ينتقدون مبادرة السلام للسيد أوجلان محقين في العديد من انتقاداتهم، لأنهم يستندون في هذه الانتقادات إلى حقيقة ظاهرة للعيان، وهي أن الطرف الكردي هو الذي يقدم تنازلات حتى الآن، بينما تبقى الحكومة التركية مصرة على تشددها ضد القضية الكردية. لا أنتقد وجهات نظر هؤلاء المثقفين والساسة الكرد، بل أقرأ انتقاداتهم باهتمام، إلا أنني أختلف معهم حول بعض القضايا الجوهري.
كل كائن بشري منذ بدايات التاريخ وحتى الآن وقع في أخطاء، بما في ذلك الآلهة والأنبياء. وبالتالي علينا الإقرار بأن عبد الله أوجلان أيضا وقع في أخطاء عديدة خلال مسيرته النضالية، ولكن ما يجب أن نعترف به هو أنه ظل طيلة حياته يفكر في مسيرة أمته.
حصلت مبادرة أوجلان على تأييد الأغلبية الساحقة من أعضاء حزب العمال الكردستاني، وحزب المساواة والديمقراطية. ومن خارج تركيا، حصلت على تأييد حزب باك في كردستان إيران، والحزبين الرئيسيين في كردستان العراق، وأغلب الأحزاب الكردية في سوريا، وكذلك على تأييد قائد قسد. هؤلاء جميعا لديهم إرث نضالي في الدفاع عن القضية الكردية ممزوج بالدم والتشرد ومواجهة الموت وجها لوجه مرات عديدة، على عكس الذين يعتبرون أنفسهم اليوم أحرص على قضية الأمة الكردية من أوجلان.
لا أعتقد أن هناك اتفاقا سريا بين أوجلان والحكومة التركية. فالمبادرة هي رؤية أوجلان من الناحية الفكرية والاجتماعية والسياسية، ومن يقرأ كتب أوجلان المتأخرة بانتباه يصل إلى هذه النتيجة.
الطرف الكردي، وعلى رأسه أوجلان، لا يعتقد أن الأحزاب التركية الرئيسة، كحزب العدالة والتنمية، وحزب بهتشلي، وحزب الشعب الجمهوري، ليس لديها استعداد كاف للاتفاق على شكل حل للقضية الكردية في تركيا. فالعقل الفكري والسياسي التركي ما زال لا يستطيع الخروج من سجنه التاريخي، وما زالت البيئة التركية القومية والإسلامية ضد الكرد. وبالتالي لا يمكن لهذا العقل أن يفكر خارج الرؤية الكلاسيكية للقضية الكردية بسهولة، وهذا شأن القوميين والإسلاميين العرب والفرس أيضا.
من خلال قراءتي لكتب أوجلان لاحظت أنه قارئ جيد لتاريخ العالم وتاريخ الشرق الأوسط، ولا سيما التاريخ الكردي. وهو المفكر الكردي الوحيد الذي درس التاريخ الكردي بمنهج نقدي جريء، دون أي اعتبار للهالات المقدسة القومية والدينية التي اختلقها الكرد بأنفسهم. فإن أكثر من نصف المديح الكردي لتاريخهم ليس إلا وهما مصطنعا.
لقد توصل أوجلان، من خلال تجربته وقراءاته، إلى عدة استنتاجات تفيد فهم تاريخ الحركة الكردية المعاصرة. فقد أدرك أن الكفاح المسلح لحزبه أدى دوره التاريخي في كردستان تركيا وفي عموم كردستان، وأنه قد وصل اليوم إلى أفق مسدود يستنزف الذات أمام ثلاث حقائق ظاهرة للعيان:
• الحقيقة الأولى هي أن العقل القومي التركي بات يتعايش مع الكفاح المسلح لحزب العمال الكردستاني (PKK)، بل يستفيد منه في حشد الجماهير التركية حوله. فهذا العقل لا تهمه الخسارة المادية لخزينة الدولة، ولا يهمه عدد قتلى جنود الجيش التركي في المعارك ضد مقاتلي الحزب، إذ بات يتغذى من الحرب.
• الحقيقة الثانية هي أن الدول الأوروبية، والولايات المتحدة الأمريكية خاصة، تغاضت في القرن الماضي وما زالت حتى اليوم تتغاضى عن العنصرية التركية ضد الكرد.
• أما الحقيقة الثالثة فهي أن المحيط الكردستاني لم يستطع، وأحيانا لم يتجرأ، على الوقوف مع حركة حزب العمال الكردستاني (PKK) ضد الشوفينية التركية. وقد بدا ذلك جليا في موقف قادة أربيل وقادة روجافا في الفترة الأخيرة، خشية من بطش الحكومة التركية.
إن أوجلان في مبادرته يستند إلى هذه الحقائق، لا إلى وهم آخر. فمن بين كل الزعماء والسياسيين والمثقفين الكرد، يعد عبد الله أوجلان الوحيد الذي طرح على نفسه السؤال المصيري الذي تواجهه كل حركة ثورية: ما العمل الآن؟
لنضع الشعارات والأمنيات جانبا، ولننظر إلى الواقع السياسي والاجتماعي الراهن في الشرق الأوسط والعالم.
فمأساة الأمة الكردية أنها خاضعة لأربع حكومات، تسيطر عليها عقول مبنية على فكرة الدولة القومية الأحادية، والدين والمذهب الأحاديين. وبالتالي يأتي إنكار حقوق الشعب الكردي في الأجزاء الأربعة من كردستان كتحصيل حاصل لهذه العقلية.
وإذا ما تبنى الكرد هذا المفهوم في سعيهم للحصول على حقوقهم، فستلحق بهم الكارثة، لأنهم الأضعف. فلا يمكن لأي نقاش، مهما كان منطقيا أو موضوعيا أو إنسانيا، أن يؤثر في هذه العقول التي تكلست في ذواتها القومية والدينية والطائفية.
إذاً على الكرد أن يبحثوا عن منهج مختلف عن منهج عقلية حكام تركيا، وإيران، والعراق، وسوريا. فالخطوة الفكرية الأولى على هذا الصعيد هي تفكيك فكرة الدولة القومية والدولة الدينية، والخطوة السياسية هي تحطيم الدولة المركزية.
لا يقتصر مشروع أوجلان على الشعب الكردي وحده، بل يمس أيضا الشعب التركي والفارسي والعربي في سوريا والعراق. إنه يريد هدم العقول المتناطحة، ومن بينها العقل الكردي الذي يسجن نفسه في الشعارات القومية التي تشكل مقابلا للشعارات القومية التركية والفارسية والعربية.
لا شك أن أوجلان يدرك أن مشروعه لن يتحقق خلال السنوات الباقية من عمره، ولكنه يشكل أرضية فكرية واجتماعية وأخلاقية لجيل جديد من الكرد سيختلف، ويجب أن يختلف، عنا فكريا وسياسيا واجتماعيا.
خاتمة
تدلّ قراءة مبادرة أوجلان للسلام على أننا أمام محاولة جذرية لإعادة تعريف موقع الكرد في خرائط الدولة والقومية والدين، لا أمام تنازل مجاني أو استسلام لإملاءات الخصوم. فالمبادرة تنطلق من تشخيص قاسٍ لكن واقعي لمأزق الكفاح المسلح وحدود الخطاب القومي الكردي حين يواجه منظومات دول قومية ودينية متكلسة، وترى أن استمرار السير في الطريق نفسه لن ينتج سوى مزيد من الاستنزاف والانسداد. من هنا يغدو سؤال «ما العمل الآن؟» جوهر المشروع لا شعاره، إذ يدعو أوجلان إلى كسر مركزية الدولة القومية والدينية، وفتح أفق ديمقراطي أوسع يشمل الكرد وجيرانهم معا. وبصرف النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف مع تفاصيل هذه الرؤية، فإن تجاهلها أو تسخيفها يعني الهروب من مواجهة الأسئلة البنيوية التي تعيق تحرر الأمة الكردية، بينما التعامل الجاد معها يتيح تأسيس خطاب جديد وجيل سياسي مختلف أقل وهماً وأكثر استعداداً لدفع ثمن حلول تاريخية لا شعاراتية.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي