|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

رانية مرجية
2025 / 12 / 2
في عالمٍ يشتد فيه الضجيج، وتتعالى فيه الأصوات حتى تضيع الحقيقة بين الصدى والغبار، يصبح الصحفي المحايد مثل نعمةٍ نادرة، مثل ماءٍ صافٍ في زمن كثرت فيه العواصف وتعكّر فيه النهر.
الحياد ليس كلمة تُقال للتجمّل، بل مسؤولية تُحمل على الكتف مثل أمانة، لا يُسقطها إلا من فقد صوته الداخلي… ذلك الصوت الذي يسمّيه البعض ضميرًا، ويسمّيه آخرون نورًا.
الصحفي المحايد لا يركض خلف الإثارة، ولا يبيع الخوف في عنوانٍ عريض.
هو يعرف أن الناس تستحق الحقيقة، لكنها تستحق أيضًا أن تُروى الحقيقة بكرامة، بلا تهويل، بلا تشويه، بلا انتقاء لما يناسب عاطفة الصحفي أو موقف المؤسسة أو رغبة الجمهور.
فالحياد ليس جمودًا، بل هو حركة داخلية دقيقة:
حركة قلبٍ يرى البشر قبل المواقف،
وحركة عقلٍ يزن الكلمات كما يزن الصائغ الذهب،
وحركة ضميرٍ يعرف أن كل خبر قد يصبح جسرًا أو حاجزًا، نورًا أو ظلامًا.
الحياد… مساحة آمنة بين الألم والحقيقة
ليس صحيحًا أن الحياد هو الوقوف في المنتصف.
الحياد ليس مكانًا في الخريطة، بل هو طريقة في النظر.
هو قدرة على تمييز التفاصيل التي يبتلعها الانحياز،
وقدرة على رؤية الإنسان الذي يختبئ وراء الخبر.
فالصحفي المحايد لا يساوي بين الجلاد والضحية،
بل يساوي بين القصة والقارئ.
يعطي لكل طرف صوته، لكنه لا يسمح لأي صوت أن يخنق الآخر.
يحفظ كرامة الجميع، لا لأنه بلا موقف، بل لأنه يعرف أن العدالة تبدأ من الكلمة الصادقة.
وفي كل مرة يضع قلمه على الورق، يسأل نفسه بصوت خافت:
هل نقلت الحقيقة كما هي؟
هل أضفت من نفسي شيئًا لم يكن يجب أن أضيفه؟
هل حذفت ما لا يجوز حذفه؟
هذا السؤال اليومي… هو ما يجعل الحياد فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون خيارًا مهنيًا.
بين المهنية والإنسانية… معركة صامتة يعيشها الصحفي
أن تكون صحفيًا محايدًا يعني أن تخوض معركة صامتة كل يوم.
معركة بين ما تراه بعينك وما يُطلب منك أن تراه،
بين ما تسمعه وما يُسمح لك أن تقوله،
بين الأمانة المهنية والضغوط التي تأتي من كل الاتجاهات.
ومع ذلك، يظل الصحفي المحايد واقفًا مثل شجرة زيتون قديمة:
لا تُسقطها الرياح، ولا تُغريها العواصف،
تعطي ظلًا للجميع…
لكن جذورها تشهد أنها ثابتة، صادقة، غير قابلة للبيع.
لماذا يصبح الحياد ضرورة وليس مجرد فضيلة؟
لأن الناس اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى من يروي لهم ما يحدث دون أن يُدخلهم في معركة ليست لهم.
بحاجة لمن يحترم عقولهم قبل مشاعرهم.
بحاجة لمن يكتب كما يُنصت…
ومن يُنصت كما يتنفس، بلا صراخ، بلا خوف، بلا انفعال مصطنع.
فالخبر ليس ملكًا للصحفي،
ولا ملكًا للمؤسسة،
بل هو ملك للقارئ…
خاتمة: الحياد… رسالة لا ينجزها إلا من يحمل نورًا داخليًا
أن تكون صحفيًا محايدًا يعني أن تكون شاهدًا أمينًا لا تابعًا،
وإنسانًا يرى في كل وجه حكاية،
وفي كل حكاية حقًا في أن تُروى بعدل.
الحياد ليس مهنة،
ليس منصبًا،
وليس تقنية تُدرّس في الجامعات.
الحياد روح،
وإن لم يحملها الصحفي في قلبه،
فلن يجدها في قلمه.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |