|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
مالك الجبوري
2025 / 12 / 2
يمثّل كتاب «الكفاح المسلّح في الإسلام» لكاظم الحائري أحد النصوص الأكثر وضوحًا في الكشف عن البنية الداخلية للخطاب الديني السياسي الشيعي بصيغته الولائية المعاصرة. فالكتاب لا يقدّم أطروحة فقهية محضة، بل يؤسّس لنظرية سياسية كاملة، يتداخل فيها الفقه والجهاد والدولة والولاية والانتظار المهدوي في منظومة واحدة متشابكة. والحائري، لا يكتب خارج إطار هذه المنظومة، بل يطوّر بعض جوانبها، ويشدّد على أخرى، ليقدّم صيغة “عقائدية مسلّحة” للخط السياسي الذي مهّد لاحقًا لظهور الفصائل الولائية في العراق.
ومن هنا فإن تحليل هذا الكتاب يستوجب ربطه بثلاث دوائر أساسية: الفقه السياسي التقليدي (الذمّي–الكافر)، نظرية ولاية الفقيه، والانتظار المهدوي. وهذا الفصل يسلّط الضوء على هذه الدوائر الثلاث، وكيف تتداخل فيما بينها لإنتاج لاهوت سياسي للعنف.
ينطلق الحائري من إعادة إنتاج للتقسيم الفقهي التقليدي للإنسان داخل الدولة الإسلامية. فالكتاب يعيد بعناية بناء تراتبية ثابتة: المسلم أولًا، ثم الذمّي، ثم الكافر غير المحارب، ثم الكافر المحارب، وصولًا إلى المرتد الذي يراه أخطر من الجميع. هذه ليست عودة إلى الفقه القديم بقدر ما هي محاولة لاستعادته ليكون إطارًا سياسيًا يُنظّم علاقة الدولة بالمجتمع. فالمسلم—في تصور الحائري—لا يكفي أن يكون مسلمًا؛ بل يجب أن يكون “موالٍ للولاية”، وإلا أصبح انتماؤه ناقصًا. والذمّي ليس مواطنًا، بل مقيمًا بشروط: يدفع الجزية، يلتزم بقوانين الدولة الإسلامية، ولا يُظهر ما “يضرّ بالإسلام”. أمّا الكافر، فتحدّد علاقته بالدولة من خلال القوة أو العهد: معاهَد يُحترم عهده، ومحارب يُقاتل. ويضع الحائري المرتد في قلب “التهديد الداخلي” الذي يستوجب الحزم.
هذه البنية تتجاوز الفقه إلى السياسة، لأن الحائري لا يتناول الذمة والكفر باعتبارهما مفاهيم تراثية، بل باعتبارهما أدوات تُعيد تنظيم المجتمع وفق معيار ديني، لا وفق المواطنة الحديثة. فالإنسان لا يُعرّف قانونيًا ولا وطنيًا، بل يُعرَّف عقائديًا، وتُمنح حقوقه أو تُقيَّد بناء على هذا التعريف.
على هذه الأرضية الفقهية يرسم الحائري تصوره للجهاد، وهو محور الكتاب الأساسي. فالجهاد ليس ردّة فعل ولا حالة دفاع اضطرارية، بل هو “وسيلة شرعية” لتغيير الأنظمة وإقامة الدولة الإسلامية. ويشدّد الحائري على أن الجهاد قد يكون هجوميًا (جهاد الطلب) شرط وجود “قيادة شرعية”، أي الفقيه الجامع للشرائط. ولا جهاد بدون إذن الولي، لأن الولي هو وحده القادر على تحديد العدو: من هو المحارب، ومن هو المسالم، ومن هو العدو الداخلي. وبذلك يتحوّل الجهاد من مفهوم فقهي إلى أداة سياسية في يد الفقيه، يُعيد بها تشكيل المجال السياسي والحدود الشرعية للمجتمع.
والنتيجة أن السلاح يتحوّل في مشروع الحائري إلى هوية سياسية، لا مجرد أداة. فالسلاح ليس حماية للدولة، بل حماية للعقيدة؛ وليس وظيفة وطنية، بل وظيفة ولائية؛ وليس قرارًا سياديًا للدولة الحديثة، بل تكليف شرعي يُمارَس خارج الدولة أو معها، لكنه لا يخضع لها. وهذه الفكرة بالذات شكّلت الأساس النظري الذي استفادت منه الفصائل الولائية في العراق لاحقًا.
هذا البناء النظري لا يمكن فهمه بمعزل عن الخميني. فعلى الرغم من اشتراك الرجلين في الأساس الفقهي وفي تبنّي ولاية الفقيه، فإن الخميني في «الحكومة الإسلامية» كان يسعى إلى بناء دولة كاملة بمؤسسات وقوانين وتعبئة ثورية، بينما ينصرف الحائري إلى تعزيز سلاح الجماعة العقائدية وتثبيت شرعيته. فالخميني جعل الفقيه رأس الدولة، بينما يجعل الحائري الفقيه قائد الجهاد. والنتيجة أن الخميني أسّس دولة مسلّحة، بينما أسّس الحائري رؤية للجماعة المسلّحة داخل الدولة.
ويظهر الفارق بينهما في مسألتين:
الأولى، أن الخميني يتعامل مع الكافر بوصفه “عدوًا سياسيًا” بالدرجة الأولى، خصوصًا القوى الغربية والأنظمة العلمانية، بينما يعيد الحائري إنتاج مفهوم الكافر والذمّي بصيغته الفقهية القديمة ويجعل منه جزءًا من تنظيم الداخل.
والثانية، أن الخميني بنى دولة تقوم على الولاية، بينما يضع الحائري السلاح فوق الدولة، ويربط شرعيته بالمهدي عبر النيابة العامة للفقيه.
هنا تبرز النقطة الجوهرية: العلاقة بين أفكار الحائري ونظرية الإمام المهدي. فالحائري لا يقدّم فقهًا تقليديًا فقط، بل يُؤطّر كل شيء داخل زمن الغيبة. الفقيه في نظره ليس مجرد عالم، بل نائبٌ عام للإمام، يمارس سلطته السياسية والقتالية وفق “وظيفة التمهيد للدولة المهدوية”. فالدولة الحقيقية ليست الدولة القائمة اليوم، بل الدولة التي سيقودها الإمام المهدي. وما نسميه الآن “الدولة الإسلامية” هو إدارة مؤقتة لزمن الانتظار.
وبناءً على ذلك، يصبح الجهاد—كما يشرحه الحائري—جزءًا من حركة التمهيد، وليس مجرد وظيفة دفاعية. والسلاح ليس دفاعًا عن حدود وطنية، بل حماية لمسار “الظهور”. والذمّي مقبول ضمن شروط لأنه يعيش داخل “دار الإسلام” خلال الغيبة، لكنه ليس شريكًا في الدولة النهائية. والكافر يُنظر إليه بحسب موقفه من “خط المهدي”، لا بحسب موقعه القانوني. أمّا المرتد فيُعتبر خطرًا لأنه يهدد البنية العقائدية التي يُفترض أن تنتظر الظهور.
بهذا المعنى، يربط الحائري بين الجهاد والولاية والمهدوية في سلسلة واحدة: الولي نائب المهدي، والجهاد قرار الولي، والسلاح أداة التمهيد. وهذا ما يفسّر تموضع الفصائل الولائية اليوم داخل العراق بوصفها “قوة عقائدية” خارج منطق الدولة الوطنية، لكنها داخل منطق الدولة المهدوية التي لم تأتِ بعد.
إن هذا التداخل بين الفقه والتراث المهدوي والولاية ينتج نموذجًا سياسيًا خاصًا: دولة لا تستند إلى المواطنة ولا إلى العقد الاجتماعي، بل إلى “شرعية الانتظار”. وفي هذا النموذج، تتحول مفاهيم الذمّي والكافر والجهاد إلى أدوات تنظيم للعالم قبل الظهور، ويصبح السلاح جزءًا من الهوية العقائدية للجماعة، وتصبح الدولة الحديثة مجرد إطار هش لا يحوز الشرعية النهائية.
وإذا كان الخميني قد حوّل الانتظار إلى ثورة ثم إلى دولة، فإن الحائري يذهب في اتجاه آخر: تحويل الانتظار إلى عقيدة قتالية تمهّد للظهور. ولهذا فإن فكر الحائري هو الأوضح في تمثيل “المهدوية المسلّحة”، التي تتجاوز الفقه التقليدي من جهة، وتتجاوز دولة الخميني من جهة أخرى، لتؤسّس لخطاب سياسي يرى في العالم معركة مفتوحة بين “حقٍّ ينتظر قائده” و“باطلٍ تُدار ضده حرب طويلة لا تنتهي إلا بالمهدي”
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |