|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
عباس موسى الكعبي
2025 / 12 / 2
في ديسمبر 1956، جلست شابة في شقتها الصغيرة في نيويورك، كانت منهكة من نوبات العمل الإضافية. سبع سنوات قضتها في المدينة، سبع سنوات من الكتابة على هامش حياتها - ليالٍ من العمل حتى ساعات متأخرة، وعطلات نهاية أسبوع مسروقة، وقصص لم يتسنَّ لها الوقت لإنهائها. اسم هذه الشابة هو "نيل هاربر لي" أو "هاربر لي".
في ولاية ألاباما، كان الناس يسألونها متى ستتوقف عن "الكتابة" وتعود إلى المنزل. وفي نيويورك، لم تتمكن من تسديد بدل إيجار شقتها، وآلة الكاتبة يتراكم عليها الغبار بسبب نوبات العمل المزدوجة. كانت في الثلاثين من عمرها، حين بدأ حلمها يثقل كاهلها.
قدّم لها أقرب أصدقائها – وهما مايكل والملحنة والشاعرة الغنائية جوي براون - هدية عيد الميلاد. كان داخل ظرف "غلاف" الهدية ملاحظة كُتب عليها: "لديك إجازة لمدة عام من عملك كي تكتبي ما يحلو لكِ. عيد ميلاد سعيد". مع راتب لمدة عام كامل.
جلست مذهولة، ليس بسبب المال، بل بسبب مغزاه: أن يؤمن بها أحدهم عندما استنفدت كل أسباب ثقتها بنفسها. منحتها تلك الهدية شيئًا لا يشترى بالمال عادةً، منحتها وقتًا بلا قلق، ووقتًا للجلوس أمام آلة الكتابة دون سماع دقات الساعة ومنبهها، ووقتًا لتطرح كل ما لديها في القصة التي كانت تنتظر بداخلها. فنتج عن ذلك رواية "ان تقتل طائرا بريئا"، حيث نُشرت عام ١٩٦٠، وفازت بجائزة بوليتزر، وبيع منها أكثر من ٣٠ مليون نسخة. وأصبحت مادةً دراسيةً إلزاميةً في المدارس الأمريكية. وبالتالي، غيّرت نظرة الأجيال إلى العدالة والتعاطف والشجاعة الأخلاقية. ولكن قبل كل ذلك - قبل الجوائز والإرث - كان هناك فعل إيمان بسيظ: صديقان رأيا في الكاتبة "هاربر لي" شيئًا لم يره العالم بعد. فمنحاها الشيء الوحيد الذي يحتاجه الكاتب المكافح بشدة، وهو مساحة للإبداع دون قلق وخوف.
أحيانًا الفرق بين الحلم والواقع لا يكمن في الموهبة، ولا حتى في الحظ.. أحيانًا يكون الفرق مجرد شخص يؤمن بقدراتك في اللحظة المناسبة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |