النبوءة بين التفسير الإسلامي واليهودي — بنية المعنى ووظيفة الخطاب

يحي عباسي بن أحمد
2025 / 12 / 1

مقدّمة
احتلت النبوءات موقعًا مركزيًا في تشكيل الوعي الديني والسياسي لدى المسلمين واليهود على السواء، غير أنّ المفهوم نفسه خضع لتأويلين متباينين جذريًا: أحدهما ينهض على السنن القرآنية والبعد الأخلاقي للصراع، والآخر يستند إلى قراءة أسطورية–قوموية للنص العبري، تحوّلت تاريخيًا إلى مشروع سياسي استعماري.
تسعى هذه الدراسة الموجزة إلى تفكيك بنية التفسيرين، وإبراز كيف ينتج كلّ منهما خطابًا مختلفًا حول فلسطين، والعدالة، والمستقبل، وذلك بالاعتماد على تحليل نصي–تاريخي، ومراجع عربية وغربية موسّعة.

أولًا: بنية النبوءة في التفسير اليهودي – من الوعد الديني إلى المشروع السياسي
1. مركزية العهد والاختيار
يضع الخطاب التوراتي بني إسرائيل في موقع “الشعب المختار”، وهو مفهوم تم تطويره لاحقًا في اليهودية الحاخامية ليصبح أساسًا لامتلاك الأرض بوصفه “امتيازًا إلهيًا” .
لكن الدراسات النقدية تُظهر أن نصوص العهد في التوراة مشروطة بالطاعة والعدل، وليست تفويضًا مطلقًا .
2. نبوءات العودة: من الأسطورة إلى الأيديولوجيا
تعتمد الصهيونية على مجموعة من النصوص النبوئية:
• رؤيا حزقيال 37 (“العظام اليابسة”).
• عودة “البقية الباقية” في أشعيا.
• نبوءات زكريا عن “القدس الأخيرة”.
وقد أُعيد تفسير هذه النصوص في القرن التاسع عشر لتصبح أساس “العودة القومية” بعد أن كانت في أصلها نصوصًا أخلاقية–وعظية تتعلق بالشعب القديم لا المشروع السياسي الحديث.
3. التوظيف الغربي للنبوءة
تحمّست القوى الإنجلو–ساكسونية للاستعمار الصهيوني لأنها رأت فيه تحقيقًا لـ“نبوءة قديمة” وامتدادًا لرسالتها الحضارية .
هكذا تلاقت الأسطورة مع السياسة، وتحولت النبوءة إلى مشروع جيوسياسي تدعمه الإمبراطورية البريطانية.
ثانيًا: التفسير الإسلامي للنبوءة – سنن التاريخ لا وراثة القوم
1. النبوءة في القرآن ليست مخططًا قوميًا
يؤكد القرآن أن العلاقة بين الإنسان والأرض قائمة على العدل لا على النسب:
{تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا} (القصص: 83) .
القرآن يربط الاستحقاق بالفعل الأخلاقي، وينفي الامتيازات القومية.
2. مستقبل الأمم محكوم بالسنن
في المنظور القرآني، زوال الظلم ليس حدثًا غيبيًا بل مسارًا تاريخيًا:
{فقُطع دابر الذين ظلموا} (الأنعام: 45) .
لا تتضمن الرؤية القرآنية “نهاية قومية” لليهود، بل نهاية للظلم والاستعلاء.
3. فلسطين باعتبارها ساحة اختبار للعدل
يقدّم القرآن قراءة أخلاقية للصراع:
• الأرض لا تورَّث بالنسب.
• العدالة شرط البقاء.
• الظلم مقدمة السقوط.
هذه القراءة تختلف جذريًا عن التفسير التوراتي الذي يربط الأرض بالهوية العرقية.
ثالثًا: مقارنة منهجية في بنية الخطاب بين التفسيرين
1. أسطورة “الحق التاريخي” مقابل “الحق الأخلاقي”

الحقل الدلالي التفسير اليهودي التفسير الإسلامي
أساس الاستحقاق العهد – القومية العدل – السلوك
وظيفة النبوءة شرعنة المشروع السياسي توجيه السلوك الإنساني
طبيعة النهاية قومية–أسطورية سننية–أخلاقية
دور الإنسان منفّذ للنبوءة فاعل في التاريخ


2. مستقبل الكيان بين القراءتين
• في القراءة اليهودية: استمرار الدولة مرتبط بتحقق نبوءات “الهيكل” و“العودة”، ما يجعل السياسة امتدادًا للأسطورة.
• في القراءة الإسلامية: استمرار أي قوة مرتبط بمدى التزامها بالعدل، وهو ما يضع الكيان خارج الشرعية القرآنية، لكن داخل نطاق السنن التاريخية لا “نبوءة النهاية”.

رابعًا: توظيف النبوءة في الواقع السياسي الحديث
1. الصهيونية الدينية الحديثة
تحوّل “الدين” إلى مبرر لفرض الهيمنة، وظهرت مدارس تفسيرية داخل اليهودية تعتبر كل توسّع استيطاني “تسريعًا للنبوءة” .
هذا ما جعل الاحتلال مشروعًا “مقدسًا”، لا سياسيًا فقط.
2. الوعي الإسلامي: مقاومة لا نهاية
لا يعتمد الوعي الإسلامي المقاوم على فكرة “زوال الكيان بنبوءة”، بل على:
• العدالة التاريخية،
• المقاومة السياسية،
• التغيرات الحضارية.
وبذلك يصبح “المستقبل” مشروطًا بالفعل الإنساني.

خاتمة تحليلية
يتضح من المقارنة أن التفسيرين الإسلامي واليهودي للنبوءة لا يختلفان فقط في التفاصيل، بل في البنية العميقة لفهم التاريخ والمستقبل:
• اليهودية، بنسختها الصهيونية، تقرأ التاريخ عبر أسطورة قومية مغلقة.
• الإسلام يقرأ النبوءة عبر سنن مفتوحة تحكمها الأخلاق والفعل الإنساني.
والنتيجة أن مستقبل الكيان، وفق الرؤية القرآنية، لا تحدده النبوءات بل يحدده ميزان العدل وتبدّل موازين القوة التاريخية.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي