في ضيافة المدافع .. حزب البعث ومعضلة البحث عن الهوية (1)

جعفر المظفر
2025 / 12 / 1

في اتجاهات أخرى لم يكن عسيراً إيجاد ما يمكن أن يحقق اقتراباً أفضل من شخصيته، وما زال الحديث هنا عن الدكتور إياد علاوي؛ فالرجل بالنسبة إلينا كان برجوازي الانحدار، مع أن ذلك لا يفترض أنه كان برجوازي السلوك. وقد يوحي ذلك بأن انحيازه إلى البعث ضد الشيوعيين لم يتم بمعزل عن تأثير محيط اجتماعي وثقافة برجوازية ودينية متأصلة.

هذا يكشف من ناحية أخرى عن حقيقة أن البعث كان خليطاً من مختلف الطبقات، لكنه لم يكن، كما الشيوعيين، حزباً طبقياً، بل كان حزباً قومياً ليس بالمعنى العنصري، وإنما بالقدر الذي يؤمن فيه بوجود تاريخي وجغرافي للأمة العربية كشرط لحماية الوجود العربي وضمان تقدمه. تأسيساً على ذلك، كان الحزب يقبل بين صفوفه بعثيين من مختلف القوميات؛ إذ وجد فيه الكردي والدرزي والتركماني، وعلى الصعيد الديني كان هناك المسيحي والصابئي.

وأجزم أن كل ذلك يحتاج إلى وقفة فكرية جدية ومسؤولة لأجل مزيد من الشرح والتوضيح، وذلك من أجل العثور على البنى التحتية للتقلبات والانشقاقات التي عانى منها الحزب أو تلك التي سيعاني منها مستقبلاً، وهو ما أدرجته سابقاً تحت عنوان "البحث عن الهوية الضائعة". وهو موضوع لا بد أن يأخذ اهتماماً كبيراً من البحث والتقصي لأجل الوقوف على أولوياته ومخرجاته. وأول ما يجب أن نهتم به هو الساحة التي نشأ فيها، وهي ساحة الصراع بين فكر طبقي ماركسي أممي وبين فكر قومي عروبي يحاذر أن تأخذه الماركسية من مهماته الوحدوية العروبية الأساسية، وكان شعاره آنذاك أن كل الانحيازات يجب ألا تسبق هذه الاهتمامات، بل لعلها تصب في خدمتها.

غير أن هذا الاحتراس المشروع أدى إلى فقدان الحزب لهوية اجتماعية واضحة؛ فكان فيه الملحد والمؤمن بالأديان، وكان فيه الرجعي والتقدمي، والبرجوازي والكادح. وقد جعله ذلك قابلاً للانفجار والتشتت والانقسام تحت عناوين اجتماعية الطابع، كما حدث في أعقاب استلام الحزب السلطة عام 1963، ولم تكن قد مضت سوى خمس سنوات على تأسيس العراق الجمهوري، وذلك بعد انهيار الحكم الملكي وسقوطه على يد جمهرة من العسكريين يقودهم الزعيم عبد الكريم قاسم والعقيد الركن عبد السلام عارف.

في البداية، وبعد المجزرة التي ارتكبها الحزب ضد الشيوعيين عام 1963، الذين لم يكونوا بعيدين في الأصل عن شحذ سكاكينها، كان الصراع واضحاً بين قادة الحزب وقادة الدولة، بين مجموعة علي صالح السعدي ومجموعة حازم جواد. وفي أسرع من لمح البصر السياسي، أكلت الثورة رجالها وسقطت ساخنة في فم العقيد عبد السلام عارف الذي لبس نياشينه ونجومه وركب دباباته ليقضي على ميليشيا الحرس القومي التي خرجت إلى الشوارع لنصرة مجموعة علي صالح السعدي، وهي يسار الحزب المفترض، ضد مجموعة حازم جواد وطالب شبيب، وهي يمين الحزب المفترض.

ولم تجد مجموعة السعدي، التي كانت تقود المؤتمر القطري المنعقد في الحادي عشر من تشرين لأجل مناقشة الأزمة المتفاقمة بين رجال الدولة ورجال الحزب، سوى أن ترضخ لإرادة مجموعة مسلحة متمردة من البعثيين بقيادة المقدم محمد المهداوي، الملحق العسكري العراقي في دمشق، الذين طلبوا منهم النزول من منصة القيادة وترك القاعة لقيادة قطرية جديدة كان من بينها اللواء طاهر يحيى وطارق عزيز الصحفي المعروف، الذي كان أحد أعضاء المجموعة المسلحة.

لقد سقطت جمهورية البعث الأولى بعد تسعة أشهر فقط من قيامها.

في البداية، جعل الهجوم البعثي المسلح في شباط عام 1963 الجميع يعتقدون أن البعثيين سيحكمون لقرن من الزمن، إلا أن الخلافات سرعان ما كبّلت سلطتهم ومزقت حزبهم من الداخل، وجعلتهم غرباء يتقاتلون فيما بينهم. وكان السبب أزمة الهوية وجهل المعرفة بالذات، وكأن الذي كان يجمعهم معاً هو عداؤهم للشيوعيين، الذين ما إن انهاروا بعد مقتل الزعيم حتى ظهر البعثيون كالنائمين بلا أغطية في عز الشتاء.

أما السبب فكان واضحاً؛ إذ إن فرع الحزب في العراق نما وترعرع وكبر في معركة المجابهة مع قاسم والشيوعيين، فكبرت عضلاته على حساب عقله، ولم يجد الوقت الكافي ليصوغ لنفسه هوية إلا تلك التي كانت ترسمها شعارات وبضعة أفكار وضعها القائد المؤسس ميشيل عفلق عن الأمة التي كانت، والتي يمكن أن تنبعث من جديد لأنها كانت. وبدا ذلك وكأنه نوع من الثورية السلفية المتخاصمة مع الواقع الذي يفترض أنها انطلقت منه لتغيّره. هذه "السلفية الثورية" بدت وكأنها قريبة من التيار السلفي الإسلامي الذي يسير على هدي شعار "إلى الوراء در، وإلى عصر الصحابة سر"، إلا من خلال الادعاء بأنها لا تتبع الإسلام الدين، وإنما تتبع الإسلام التاريخ والثقافة المشبعة بالانتصارات والوحدة وما يشاع عن العدالة والرسالة الإنسانية الخالدة.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي