|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محمد اسماعيل السراي
2025 / 11 / 28
عندما تكون معدما ومفلسا، غالبا ما ستكون أحد أفراد هاتين الفئتين: إما أن تصبح لصا، أو أن تكون مبدئيا عاشقا لفلسفة التقشف. ولكن لو كنت من فئة المتقشفين، فليس هذا لانك تحمل جينات وراثية للمبادئ السامية وروح التقشف، بل غالبا لانك جبان تخاف السرقة حذِرا من طائلة العقوبة القانونية أو بطش من تسرقهم، فالمبادئ تكتسب ولا تورث. او لكونك لا تحمل جينات اللصوصية ولا تجيدها، فحتى السرقة- بل اي جريمة اخرى- هي فن لا يطيقه الا المهرة أو ربما من يحملون جينات إجرامية وراثية كما تذهب إلى ذلك المدرسة التكوينية الإيطالية التي فسرت الجريمة بتوفر عامل الوراثة إلى جانب عوامل اخرى. أو حتى احترافها كمهارة والميل لها من خلال الاختلاط والتأثر بمجرمين سابقين- حسب نظرية المخالطة الفارقة للعالم الأميركي سذرلاند.
أما المتقشفون الذين سمعنا عنهم غالبا في التاريخ والتراث أو حتى المعاصرون منهم والذين عشقوا اسلوب الحياة هذا واعتزلوا الناس في الأديرة والصوامع وفي رؤوس الجبال، فتقشفهم هذا لم يكن عشقا بفضيلة التقشف بل لكونهم كانوا معدمين اساسا ولم يستطيعوا التمكن من الحياة الرغيدة، فرفضوا الحياة الواقعية نقمة من حرمانها لا زهدا فيها. وايضا لكونهم جبناء يخافون طائلة العقوبات المترتبة على الجريمة أو كونهم لا يجيدونها لأسباب تتعلق بالاكتساب أو الوراثة.
أما أنت الذي اخترت التقشف كمبدأ كونك لا تجيد اللصوصية والاجرام، فربما تضعك الحياة يوما في محك صعب أو مفترق طرق بين مبادئك السامية وبين الانحراف عنها، كأن توضع في موضع يتطلب الأمانة سواء ائتمان على أموال خاصة أو عمل في مؤسسة حكومية تكن فيه مسؤولا عن عهدة مالية. وهنا ربما أن مواهبك ستكون أكثر جلاءً، سواء بالتأثر والاكتساب والتعود أو ربما بحملك لجينات تناسب جريمة الاختلاس أو خيانة الأمانة. وهنا ستكفر بمبادئك السامية وربما تستغل تلك الفرصة التاريخية فتكون مختلسا أو خائنا للأمانة، وربما بتوفر عامل الامان نسبيا هنا أكثر من السرقة العادية وخصوصا في الدولة التي تبيح سياستها سرقة المال العام أو ربما تحمي سارقها أو تتهاون معه أو ربما تقاسمه تلك السرقة- وقد حدث هذا كثيرا لأفراد كنت اعرفهم واعرف مبدئيتهم قديما لما كانوا متقشفين جوعى لا يجيدون السرقة والجريمة العادية وكانوا يبررون تقشفهم مبدئيا، لكن ما أن وضعوا على مسؤولية المال العام أو في وظيفة تسمح بالرشا غالبا ما استغلوا ذلك الأمر أبشع استغلال.
اذن لربما نحن مبدئيون ليس لأننا ورثنا ذلك جينيا أو اكتسبناه من بيئتنا، نحن اكتسبنا الخوف فقط، فذوينا ومحيطنا الاجتماعي علمنا أكثر الحذر والخوف من العقوبة ومن العار ومن النار. ان الاخلاق والمبادئ غالبا ما تكون هشة ومطاطة أمام الظروف التي تهيئها لنا الحياة بالمصادفة لنكتشف حقيقة ذواتنا المغلفة بغلاف المبدئية والفضيلة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |