تيه المثقف بين إرادة السلطة وإرادة الجمهور قراءة في الانحياز بالقوة والعاطفة في العالمين العربي والإسلامي

يحي عباسي بن أحمد
2025 / 11 / 27

مقدمة
يعيش المثقف العربي والإسلامي حالة فريدة من التيه المعرفي والأخلاقي، إذ يتأرجح بين إرادتين متنافرتين: إرادة السلطة، التي تفرض عليه شروطًا سياسية وثقافية، وإرادة الجمهور، التي تفرض عليه شعورًا وجدانيًا وعاطفيًا. هذا التيه يولّد صراعًا داخليًا بين الاستقلالية الفكرية والانحياز، بين النقد والمواءمة، بين الصدق والبراغماتية. وتبرز هنا ظاهرتان رئيسيتان للانحياز: الانحياز بالقوة والانحياز بالعاطفة، وكل منهما له انعكاساته على المثقف، وعلى العلاقة بالسلطة والجمهور.

1. الانحياز بالقوة: المثقف كأداة للسلطة
1.1. الضغط المباشر على المثقف
في العديد من الأنظمة العربية والإسلامية، يواجه المثقف ضغوطًا مباشرة من السلطة عبر الرقابة، التهديد القانوني، والملاحقة الأمنية، أو عبر إغراءات اقتصادية وسياسية . هذا الانحياز بالقوة يجعل المثقف مُكرَهًا على تعديل خطاباته أو حجب أفكاره النقدية.
1.2. الانحياز البراغماتي
عندما يواجه المثقف خيارًا بين الصدام مع السلطة أو الانحياز، يلجأ غالبًا إلى الانحياز البراغماتي لضمان استمرار عمله أو حياته الاجتماعية. هذا الانحياز غالبًا ما يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج خطاب السلطة وإضفاء شرعية على سياساتها.
1.3. انعكاسات الانحياز بالقوة على الجمهور
حين يكون المثقف منحازًا بالقوة، يتحول إلى مرآة مصطنعة للخطاب الرسمي، ويحدّ من قدرة الجمهور على الوصول إلى الحقيقة أو على تطوير وعي نقدي مستقل .
مثال تاريخي: خلال فترة الحماية الفرنسية في المغرب العربي، انحاز بعض المثقفين للقوى الاستعمارية لتجنب التضييق، ما أدى إلى فقدان مصداقيتهم أمام الجمهور الوطني .

2. الانحياز بالعاطفة: المثقف كمرآة للجمهور
2.1. الانحياز نتيجة التأثر العاطفي
الانحياز بالعاطفة يظهر حين يتحرك المثقف بدافع شعوري تجاه الجماهير أو الرأي العام، ويقدم خطابًا يرضي مشاعر الجمهور أكثر من كونه نقدًا موضوعيًا .
2.2. خطر العاطفة على الموضوعية
الانحياز العاطفي قد يجعل المثقف أداة غير مباشرة للجمهور، فيضحي بالتحليل العقلاني لصالح الاستجابة للمشاعر، مما يؤدي إلى إنتاج خطاب غير متزن .
2.3. المرونة والتأثير
رغم مخاطر الانحياز العاطفي، يتيح للمثقف البقاء قريبًا من الجمهور، وفهم نبضه الاجتماعي والسياسي، ما يمكنه من التوجيه أو التأثير بطرق أقل مواجهة مباشرة للسلطة .
مثال معاصر: في شبكات التواصل الاجتماعي، كثير من المثقفين يُغرَّر بهم لمتابعة نبض الجمهور العاطفي، ما يجعل خطابهم متأرجحًا بين الإشادة والانتقاد، وفق حالة المزاج العام .

3. التيه بين إرادتين متنافرتين
3.1. الضغط المزدوج
المثقف العربي والإسلامي غالبًا ما يواجه تحديًا مزدوجًا: الضغط السلطوي المباشر من جهة، والضغط النفسي والجماهيري من جهة أخرى. أي محاولة للحفاظ على استقلالية الفكر تواجه تحديات متعددة .
3.2. خطر فقدان الهوية الفكرية
الانحياز بأي شكل يؤدي إلى تشويه دور المثقف التاريخي، ويضعف قدرته على النقد والتوجيه، وقد يحوّله إلى مجرد تابع للسلطة أو مرآة للجمهور، دون أي تأثير حقيقي على المجتمع.
3.3. الاستراتيجيات الممكنة
يمكن للمثقف أن يحافظ على استقلاليته جزئيًا عبر أساليب غير مباشرة: الكتابة الرمزية، النقد التاريخي، نشر المعرفة في أطر أكاديمية أو أدبية بعيدة عن المواجهة المباشرة مع السلطة أو الانجراف العاطفي للجمهور .

4. أمثلة تاريخية ومعاصرة
• طه حسين: واجه صراعًا بين إرادة الدولة المصرية والجمهور المحافظ، لكنه حاول التوازن عبر الكتابة الأكاديمية والنقدية بعيدًا عن الحملات السياسية المباشرة .
• مالك بن نبي: انتقد المجتمع والحضارة العربية الإسلامية، مع الحفاظ على استقلالية فكرية تجاه السلطة، واعتمد خطابًا عقلانيًا يوازن بين النقد واستجابة الجمهور .
• المثقف الرقمي المعاصر: يتأرجح بين الضغط الشعبي على منصات التواصل والرقابة الرسمية، مما يولد تيهًا مستمرًا بين الانحياز العاطفي والانحياز بالقوة .

5. خلاصة
• الانحياز بالقوة يجعل المثقف أداة للسلطة، ويحد من استقلاليته الفكرية وقدرته على النقد.
• الانحياز بالعاطفة يجعل المثقف مرآة للجمهور، وقد يضعف موضوعيته وقدرته على التوجيه النقدي.
• التيه الحقيقي للمثقف يظهر عندما تكون إرادتان متنافرتان مفروضتين عليه: إرادة السلطة وإرادة الجمهور، وهو بحاجة إلى استراتيجية ذكية للحفاظ على استقلاليته الفكرية، مع التأثير الإيجابي على وعي المجتمع.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي