|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
طلعت خيري
2025 / 11 / 27
لم يوافق بعض المؤمنين على صلح الحديبية ، مما أدى الى انشقاقهم الى فريقين فريق بايع محمد على صلح وفريق عارض علية ، بما ان قرار الصلح بيد محمد ، فالمعترضين عليه اعتبروه تصرف انفردي وأحادي الجانب فيه محاباة للتحالف المكي الرأسمالي ، تبين بعد ذلك ان الصلح أمر من الله وليس من محمد ، وهذا ما أكدت عليه الآيات 8 ، 9 ،10التي نزلت في الحديبية ، وفيها عاتب الله المؤمنين الرافضين مبايعة النبي على الصلح ، قال الله إنا أرسلنك شاهدا مبشرا ونذيرا ، لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه ، لا لتقفوا ضده ، وتسبحوه بكرة وأصيلا ، ان الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ، وفي النهاية وافق المؤمنون والمؤمنات على الصلح بالإجماع ، التزم الطرفان ببنود الاتفاق ، وفي سنة 8 للهجرة اخترق التحالف المكي الرأسمالي بنود الصلح ، عندما دعم حلفائه من المشركين العرب بالمال والسلاح لقتل مجموعة من حلفاء محمد ، مبررين الاعتداء على انه بصمة لصوص وقطاعي الطرق لتبرئة ساحتهم من الجريمة ، وعلى أثرها أمر الله النبي بفتح مكة لإنهاء ديموغرافيا المصالح السياسية والاقتصادية للتحالف المكي الرأسمالي ، أما النهاية الحقيقية والمصيرية فكانت سنة 9 للهجرة عندما منع الله المشركين العرب والديانات الوثنية والسياسية من الدخول الى المسجد الحرام ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا ، فالآية بمثابة ضربة قاصمة لمصادر الريع الاقتصادي للتحالف المكي الرأسمالي ، ونهاية قاهرة لتجارة الأوثان والهدي والقلائد والنذور والهدايا وكافة الرموز الوثنية ، وبعد فتح مكة رجع النبي والمؤمنين والمؤمنات الى المدينة وفي الطريق نزلت بعض آيات سورة الفتح لترفع النقاب عن سيكولوجية المخلفين من الأعراب ، وما سيطرحونه على النبي من مبررات وأعذار التخلف عن الفتح ، فور وصوله الى المدينة ، قال الله سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ، ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، قل فمن يملك لكم من الله شيئا ان أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا ، بل كان الله بما تعملون خبيرا
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً{11}
ظهرت شريحة المخلفين من الإعراب في المدينة ، بعد رفضهم المشاركة في فتح مكة ، سبب الرفض التوقعات الميدانية الضالة التي أملاها عليهم المنافقين والدين السياسي لأهل الكتاب ، بان لا عودة لمحمد وأتباعه هذه المرة ، وستطبق عليهم مكة من كل مكان ، ضعف الإيمان بلور سوء الظن بالله ، بمعنى لا فاعلية لله ميدانيا على نصرة محمد وأتباعه ، قال الله بل ظننتم ان لن ينقلب الرسول والمؤمنين الى أهليهم أبدا ، وزين ذلك في قلوبكم ، زين ذلك في قلوبكم بمعنى هناك جهة سياسية عبئت ألا عودة في عقول المخلفين من الأعراب مما جعلهم يظنون بالله ظن السوء ، وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا ، فلم يكن إيمان المنافقين والمخلفين من الأعراب بالمستوى المطلوب لهذا السبب أساءوا الظن بالله ، فخرجوا عن دائرة الإيمان ، قال الله ومن لم يؤمن بالله ورسوله فانا اعتدنا للكافرين سعيرا
بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً{12} وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً{13}
ولما وعد الله المخلفين من الأعراب بالعذاب السعير يوم القيامة ، أسرعوا الى النبي طالبين منه الاستغفار ، على اعتقاد ان الأمر بيد محمد ، ولا يعلمون ان المغفرة والعذاب هي من إرادة الفرد الحرة ، فمحمد لا يملك شيئا لا في السماوات ولا في الأرض ، الله هو مالك كل شيء ، قال الله ، ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ، ويعذب من يشاء ، وكان الله غفور رحيما
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً{14}
المخلفون من الأعراب شريحة رأسمالية تراكم رأس المال عن طريق نشاطها التجاري في الثروة الحيوانية ، كالجمال ولأغنام والماعز ، فالمال في شريعتها فوق الاعتبارات الدينية والاجتماعية ، غلظى في التعامل ، عديمي الإحسان ، لديهم علاقات تجارية مع أهل الكتاب والمنافقين من أهل المدينة ، اطلع الله النبي على سيكولوجية المخلفين من الأعراب باختبار ميداني ، لبا فيه رغباتهم وأهوائهم ومصالحهم السياسية والاقتصادية ، بعد ورود أخبار عن مغانم سينطلق إليها المؤمنون قريبا ، لافتا الانتباه الى در فعل المخلفين فور سماعهم بالمغانم ، قال الله سيقول المخلفون إذا انطلقتم الى مغانم لتأخذوها ، ذرونا نتبعكم يريدون ان يبدلوا كلام الله لصالحهم ، لان الله منعهم من المشاركة في أي معركة قادمة لتخلفهم عن الفتح ، قل لهم يا محمد لن تتبعونا كذلك قال الله من قبل ، فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلاً{15}
الأعراب اشد كفرا ونفاقا لعدم التزامهم بوصايا العمل الإيماني ، متكالبين على المصالح وجمع المال ، بخلاء حتى على أنفسهم ، يعتليهم الجهل والتخلف ، طبيعة عملهم الشاق جعلهم مهووسين بالمال والنساء ، ونظرا لارتباط الأعراب بالرعي الصحراوي ، فتراهم في انقطاع مستمر عن المدينة ، فلا يعلمون حدود ما انزل الله ورسوله إلا قليل ، لهم أولياء من المنافقين والمشركين من أهل الكتاب ، يملون عليهم توصيات رافضة للقتال والأنفاق في سبيل الله ، ونتيجة لإلحاح المخلفين من الإعراب على النبي بالمشاركة في المعارك أعطاهم الله فرصة أخيرة ، لإثبات ميدانيا صدقهم وحسن نواياهم ، قال الله قل للمخلفين من الأعراب ستدعون الى قوم أولي باس شديد تقاتلونهم أو يسلمون ، فان تطيعوا يؤتكم أجرا حسنا ، وان تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ، استثنى الله من العذاب الأخروي الذين ليس لديهم مقدرة على المشاركة في المعارك ، كالأعمى والأعرج والمريض ، قال الله ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ، من يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، ومن يتول يعذبه عذابا أليما
قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً{16} لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً{17}