|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
كاظم حسن سعيد
2025 / 11 / 25
لحظتان": سحر العابر والبحث عن السعادة المفقودة ...
قراءة أدبية تحليلية للنص، مع التركيز على جمالياته الفنية والفكرية.
✒️د.عادل جوده/ العراق/ كركوك
🖋️ "لحظتان": سحر العابر والبحث عن السعادة المفقودة في نص كاظم حسن سعيد
يأخذنا الكاتب كاظم حسن سعيد في نصه العميق والمكثف "لحظتان" إلى رحلة استرجاعية وتأملية، يمزج فيها ماضي ذاكرة تتشبث بلحظات السعادة الصافية، بحاضر يراقب فيه امتداد هذه اللحظات في جيل جديد. النص ليس مجرد خاطرة، بل هو مشهدية فلسفية تُسائل جوهر التحرر والسعادة، وتختزل دورة الحياة الإنسانية من البراءة الصاخبة إلى اكتشاف النكبات.
🕰️ التناغم الزمني والتباين العاطفي
يبدأ النص باستحضار مشهدين زمنيّين شديدي الخصوصية، يمثلان قمة اللهفة والاندفاع: "تسارع الصائمين وهم يعودون من الأسواق قبيل أذان المغرب"، و"تقافز الطلاب الصغار عائدين لبيوتهم". يختار الكاتب لحظات الذروة، حيث ينتهي زمن الانتظار ويبدأ زمن الوصال، متجاوزاً بذلك مفهوم العودة إلى مجرد فعل فيزيائي ليصبح لحظة تحرّر قصوى. هذا التحرر ليس من قيد جسدي، بل تحرر من قيد الزمن ذاته، حيث تتجمد القطعة الزمنية في حالة "عابرة" هي في الوقت ذاته "أقصى لحظات التحرر" و "مثال ساطع للسعادة". السؤال البلاغي والفلسفي "ماذا لو أبّدت؟!!" هو مفتاح النص الذي يشي بحسرة عميقة على فناء هذه البراءة.
بعد عقد من التجاهل والمفارقة ("لكني تجاوزت ملاحقة المشهدين لعشر سنوات")، يجد الكاتب نفسه أمام مشهد موازٍ ولكنه مختلف في تفاصيله؛ مشهد "عودة بنات صغيرات من المدرسة". هنا يبدأ التباين: فبدل "التقافز" ثمة "إجهاد من الجوع وثقل الحقائب"، وبدل اللهفة العارمة ثمة صور أكثر واقعية: السحب بالعربات اليدوية، الانشغال بتعديل الحجاب، الثرثرة، والصمت الانفرادي.
🎭 لعبة الأصابع: مسرح البراءة الأخير
يبلغ المشهد الجديد ذروته حين تتوقف خمس صغيرات وتبدأن بلعبة الأصابع. هذه اللحظة، العفوية والمفاجئة، هي بمثابة إحياء سحري للحظة التحرر القديمة. في لعبة الأصابع البسيطة، يجد الكاتب تجسيداً لتعريف جديد للسعادة المؤقتة: "تفرح الفائزة ولا تتكدر الخاسرة". هذا هو جوهر البراءة، تقبّل اللحظة دون تراكم لنتائجها أو تبعات مستقبلية، وقدرتها على خلق طقس نفسي داخلي يتجاوز السياق الخارجي المتمثل بـ"استقبال الأمهات بالصرخات" أو "بلحظات احتفالية".
💡 النبوءة الأليمة: وعي الانكسار
يختتم النص بومضة ذات طابع نبوئي مؤلم، تنتقل بالقارئ من زمن المراقبة إلى زمن المصير. الكاتب يدرك أن لحظات الفرح هذه لن تدوم طويلاً، وأن هذه "الثرثرة" و "سرد الحكايا" ستتوقف حتماً عند عتبة الوعي القاسي. الانتصار الأولي في "خط حرف ومعرفته"، الذي هو "نبع ابتهاج" للصغار، سرعان ما سيتحول إلى وعي بالقصور والنقص: "قبل أن يكتشفن النكبات وأن المعرفة لا تكفي وحدها".
هنا يرتفع النص إلى مستوى الفكر الفلسفي والاجتماعي، فالمعرفة التي كانت مصدراً للانتصار تصبح مفتاحاً لـ "اكتشاف النكبات". كما أن المرجعيات الروحية نفسها تتزعزع أمام سيل الحياة: "والآيات لا تنقذ من الانحدار وليست دائماً لجاما للرغبات". هذه الجملة تضع ثقلاً وجودياً على كاهل الطفولة المغادرة، محذرة من التعكر الحتمي لـ "طقسهن النفسي" وتجمد الأفراح، أو – في أقصى حالات التفاؤل الحذر – تذوق السعادة.
🌟 الخلاصة الفنية
إن نص كاظم حسن سعيد هو إضاءة بارعة على الوجود الإنساني في مراحله الانتقالية. يستخدم الكاتب لغة رشيقة ومكثفة، تستند إلى المشاهد اليومية البسيطة لتعبر عن قضايا كبرى. عبر "لحظتان" يُثبت سعيد أن السعادة الحقيقية هي حالة عابرة من التحرر اللامشروط، تكمن في المسافة الفاصلة بين قيد (السوق، الدراسة) ووجهة (البيت)، قبل أن تتدخل الذاكرة، وقبل أن يفسد الوعي جمال اللحظة. إنه صرخة أدبية تائهة بين الرغبة في "تأبيد" البراءة والإدراك المؤلم لحتمية زوالها.
د عادل جودة
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |