فلسطين: المشكلة أم المرآة؟ إعادة التفكير في مركزية القضية داخل الوعي العربي

يحي عباسي بن أحمد
2025 / 11 / 25

تحتل فلسطين موقعًا محوريًا في المخيال العربي والإسلامي منذ أكثر من قرن، غير أنّ حضورها المكثف لم يؤدِّ إلى تحوّل نوعي في ميزان القوة ولا في مشروع التحرير. هذه المفارقة تطرح سؤالًا جريئًا: هل فلسطين هي المشكلة الحقيقية؟ أم أنها تحوّلت إلى رمز يُستعمل لإخفاء مشكلات بنيوية أعمق تعيق الأمة عن النهوض؟
فلسطين: نتيجة لا سبب
تُظهر التجربة التاريخية أنّ فلسطين تمثل انعكاسًا للهشاشة العربية أكثر مما تمثل سببًا لها. فهي تكشف ضعف الدولة، وانقسام النخب، وتشتت المرجعيات، وتراكم الاختلالات في الوعي السياسي والاجتماعي. وعليه، يصبح التعامل مع القضية بوصفها «أصل الأزمة» خطأً منهجيًا، لأنها في الحقيقة عرضٌ حضاريّ لمرض أعمق.
تحويل الرمز إلى غطاء
منذ منتصف القرن العشرين، استُخدمت القضية الفلسطينية في الخطاب السياسي العربي كأداة تعبئة تمنح الأنظمة شرعية سريعة، وتقدّم «عدوًا خارجيًا» جاهزًا لتوحيد الجماهير. غير أنّ هذا الاستخدام لم يُنتج مشروع تحرير، بل ساهم في تثبيت دائرة الانفعال وإعاقة النظر في الأسئلة البنيوية: ما طبيعة الدولة العربية؟ وما مدى استقلال قرارها؟ وما موقع العلم والتكنولوجيا في منظومتها؟ وكيف يُعاد تشكيل وعي شعوبها؟
هذا «التغليف العاطفي» للقضية ساعد على تأجيل المعركة الضرورية داخل الداخل، أي إعادة بناء الإنسان والمؤسسات والوعي، وهي معركة لا يمكن بدونها خوض أي صراع خارجي.
غياب المشروع الحضاري
يظل العجز الحقيقي في غياب نظرية سياسية عربية – إسلامية، وفي تراجع السيادة العلمية، وفي تفكك البنية الاقتصادية والاجتماعية. هذه العناصر لا تُطرح عادةً في النقاش حول فلسطين، لأن الخطاب السائد يحافظ على القضية بوصفها رمزًا لا يقترب من الجذور.
وحين يُختزل التحرير في الشعارات، يُعاد إنتاج الهزيمة ذاتها، لأن الشعوب لا تحرر أوطانها إلا إذا امتلكت عناصر القوة: وعيًا، وعلمًا، وحوكمة، وتنظيمًا.
فلسطين كمؤشر على حالة الأمة
لا يعني ذلك نزع مركزية القضية، بل إعادة تعريفها: فلسطين ليست «القضية الوحيدة»، بل مقياسًا لحالة المشروع الحضاري العربي. كلما تقدّم الداخل، اقترب التحرير، وكلما تراجع، انغلقت الآفاق.
ولهذا، فإن الطريق إلى القدس يبدأ من إصلاح الداخل قبل أي مواجهة مع الخارج. فالتحرير عملية تراكمية تستند إلى إرادة سياسية مستقلة، وقاعدة معرفية متينة، ووعي جماعي قادر على إنتاج الفعل لا الاكتفاء بالانفعال.
خلاصة
ليست فلسطين المشكلة، بل هي المرآة الأوضح للمشكلة.
وهي في الآن نفسه الرمز والاختبار والبوصلة.
أما أصل الأزمة فيكمن في انهيار البنية الحضارية للأمة، وفي الاكتفاء بالخطابة بدل بناء شروط القوة.
وبذلك يصبح تحرير فلسطين نتيجة طبيعية لمشروع النهضة، لا معجزة تتنزّل من السماء ولا شعارًا يُرفع عند كل أزمة.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي