|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عادل محمود
2025 / 11 / 24
منذ سبعة وثمانين عاما ، وفي لحظة بدا فيها أن مصر تتأهب للانطلاق نحو استقلالها ، نشر طه حسين كتابه الأشهر "مستقبل الثقافة في مصر" .
لم يكن الكتاب مجرد تأمل في التعليم أو الهوية ، بل كان صرخة مثقف رأى أن طريق التحرر يبدأ من الوعي لا من السياسة .
خرج طه حسين من قلب معاهدة 1936 ، حين ظن المصريون أن الاستقلال على الأبواب ، ليضع مشروعا يرى فيه أن الثقافة هي الأساس الحقيقي لبناء الدولة الحديثة .
لكن ما طرحه الرجل لم يكن مجرد برنامج تعليمي ، بل زلزالا فكريا هز علاقة مصر بتاريخها وجغرافيتها معا .
ومن يومها ، والكتاب لا يزال يعيش بيننا ، يسائلنا أكثر مما نسائله : من نحن ؟ ولمن ننتمي ؟ وإلى أي أفق نتجه ؟
في ثلاثينيات القرن الماضي ، كانت مصر تعيش مخاضا سياسيا وثقافيا قاسيا ، صراع بين الشرق والغرب ، بين الأصالة والحداثة ، بين المثقف الوطني والمثقف الأوروبي الهوى .
وسط هذه الفوضى الفكرية ، جاء طه حسين ليقول كلمته : إننا جزء من حضارة البحر المتوسط ، لا من الشرق الغامض الذي لا يعرف العقل .
كان هذا القول كمن يشعل عود ثقاب في حقل من القش ، فاشتعل الجدل بين من رأى فيه خيانة للهوية ، ومن اعتبره فتحا تنويريا جديدا .
لم يكن طه حسين مؤرخا للحضارات ، بل كان مفكرا يبحث عن نسب للعقل المصري .
رأى أن مصر - منذ فجر التاريخ - انتمت إلى حضارة البحر المتوسط ، حيث تفاعل عقلها مع عقل اليونان ، وازدهرت الإسكندرية كجسر بين الشرق والغرب .
وعنده - طه حسين - أن الإسلام لم يقطع هذا الخيط الحضاري ، بل امتد به نحو الفكر الفلسفي الذي صاغه العرب واليونان معا .
هكذا بدا وكأنه يريد أن يقول : لسنا عربا فقط ، ولسنا غربيين تماما ، نحن ذلك المزيج الذي يسكن بين ضفتين .
لكن هذا الطموح الفكري ، الذي بدا تنويريا في زمانه ، كان يحمل في طياته نزعة تغريبية خفية ، نزعة تبهرها أوروبا فتغفل ما تحت القدم من تراب شرقي خصب لا يقل عمقا ولا غنى .
طه حسين لم يكتب عن الثقافة بوصفها ترفا ، بل كمنهج لبناء الأمة .
دعا إلى تعليم مجاني وإلزامي ، إلى مدارس تزرع العقل النقدي لا الطاعة ، إلى انفتاح على اللغات الأوروبية بوصفها مفاتيح العصر .
وفي خلفية المشروع ، تتجلى رؤيته الثلاثية :
الحضارة - القوة - الثروة ، وكلها تبدأ من الثقافة والعلم .
لقد حلم بمصر متعلمة تفكر بعقل أوروبي لكنها تحيا بروح مصرية .
ولعل هذه المفارقة هي جوهر الكتاب : التنوير كحلم نبيل ، والهوية كقلق لا يهدأ .
ما إن صدر الكتاب حتى تحول إلى معركة فكرية .
رأى فيه سيد قطب محاولة لتغريب مصر وطمس جذورها الشرقية ، وكتب ردا بعنوان "نقد كتاب مستقبل الثقافة في مصر" .
بينما اعتبر آخرون أن طه حسين يمارس نوعا من "الاستعلاء الثقافي" ، إذ يقيس العالم بمسطرة أوروبا وحدها .
لكن طه حسين ظل ثابتا على موقفه حتى آخر أيامه ، مؤمنا بأن العقل المصري أقرب إلى المتوسط منه إلى الصحراء .
وفي ذلك الثبات ، يطل السؤال الكبير : هل كان طه حسين مثقفا شجاعا ، أم أسيرا لفكرة أوروبا بوصفها الفردوس المفقود ؟
بعد سبعة وثمانين عاما ، تبدو مصر وقد دخلت مرحلة جديدة من التيه الثقافي .
التعليم يعاني ، والوعي الجمعي مشوش ، والأسئلة التي طرحها طه حسين لم تجد بعد جوابا .
لكن ما تغير حقا هو المشهد العالمي نفسه ،
لم تعد أوروبا هي النموذج الأوحد ، ولا البحر المتوسط هو مركز التاريخ ، بل صارت المعرفة عابرة للقارات ، والهوية خليطا من الذاكرة والإنترنت .
وهنا تكمن أهمية إعادة قراءة طه حسين لا كقديس تنويري ، بل كإنسان عاش أزمة هوية في زمن كان فيه الشرق يبحث عن ذاته بين باريس والأزهر .
رغم ما يمكن أن يقال عن نزعة التغريب ، فإن الكتاب يبقى أول محاولة جادة لصياغة مشروع ثقافي وطني متكامل .
لقد أدرك طه حسين - قبل كثيرين - أن التعليم هو معركة المستقبل ، وأن النهضة لا تستورد ، بل تبنى على قاعدة من النقد والمساءلة .
قيمته اليوم ليست في يقينه ، بل في شجاعته على طرح الأسئلة الكبرى : ما معنى أن نكون مصريين في عالم بلا حدود ؟
كيف نحافظ على اللغة ونحن نعيش داخل فضاء رقمي يلتهم الهويات ؟
وكيف نصنع تنويرا جديدا لا يبدأ من النقل عن أوروبا ، بل من معرفة أنفسنا ؟
لقد أراد طه حسين أن يجعل من الثقافة طريقا إلى الحرية ، لكن الحرية ظلت حلما مؤجلا .
ربما أخطأ في المبالغة بعقلنة الانتماء ، وربما بالغ في تقديس الغرب ، لكن لا أحد ينكر أنه فتح الباب أمام سؤال لم يغلق بعد : كيف ننهض دون أن نفقد ملامحنا ؟
وها نحن بعد قرابة قرن ، ما زلنا ندور في نفس الدائرة : بين "الخصوصية" و"الانفتاح" ، بين "الأصالة" و"المعاصرة" ، بين "الامل" و "الخوف" .
غير أن طه حسين - رغم كل شيء - ما زال يبتسم من بعيد ، كأنه يقول لنا : لا تخافوا من الأسئلة ، فالنهضة لا تولد من الطاعة ، بل من الشك .
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |