|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

يحي عباسي بن أحمد
2025 / 11 / 21
مقدمة
منذ نزول القرآن، لم يتوقف الإنسان عن محاولة فهمه وتأويله. غير أن هذه المحاولات كانت دائمًا محكومة بحدود المعرفة والزمن والتجربة الإنسانية. فالنص القرآني مطلق المصدر والمعنى، بينما الإنسان نسبيّ الإدراك، محدود الأفق، متحوّل بتغيّر العصور. ومن هنا نشأ ذلك التوتر الدائم بين المطلق والتأويل؛ بين ما لا يتبدّل في الوحي وما لا يثبت في الفهم.
أولًا: طبيعة المطلق في النص القرآني
القرآن في بنيته ليس خطابًا مغلقًا، بل هو نصٌّ منفتح على تعدد في الدلالة، ضمن نظام لغوي محكم. فهو في الوقت ذاته كلام الله المطلق ولغة العرب المحدودة. وهذا الازدواج هو ما يجعل التأويل ضرورةً لا مهربًا منها.
يقول الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: "إن في القرآن من وجوه الإعجاز ما لا ينقضي، إذ تتجدّد معانيه بتجدّد العقول والأزمنة. "
فالمطلق هنا لا يُلغِي التأويل، بل يدعوه، شرط أن يكون التأويل بحثًا عن المقصد لا استبدالًا به.
ثانيًا: حدود التأويل الإنساني
منذ عصر الصحابة، وُجد تفاوت في فهم النص، لكن هذا التفاوت لم يكن خروجًا على المطلق، بل تنوّعًا في إدراك المقاصد.
غير أنّ المعضلة ظهرت مع تحوّل التأويل إلى أداة سلطوية أو فكرية.
فقد نبّه الإمام الغزالي في إلجام العوام عن علم الكلام إلى خطر "تأويلٍ بلا ضابط"، قائلًا:
"من جعل كل نصٍّ قابلاً لكل معنى فقد أبطل دلالته وجعل القرآن ألعوبة الأهواء. "
بينما رأى ابن رشد في فصل المقال أن التأويل ضرورة عقلية لحفظ الانسجام بين العقل والنقل، شريطة أن لا يُستخدم لتقويض العقائد، قائلاً: "فحيث ظهر أن ظاهر الشرع مخالف لما أدركه البرهان، وجب التأويل وفق قواعد اللسان." .
إذن، التأويل مشروع بقدر ما يبقى في دائرة اللغة والمقصد، لا الأيديولوجيا والهوى.
ثالثًا: التوتر في الفكر الحديث
مع الحداثة، برز اتجاه جديد يرى أن النصوص الدينية تخضع لقوانين القراءة مثل أي نص أدبي.
هنا بدأ التوتر يأخذ بعدًا فلسفيًا: هل يُقرأ الوحي بوصفه خطابًا إلهيًا أم نصًا ثقافيًا؟
نصر حامد أبو زيد في مفهوم النص طرح أن النص "يتأنسن بالتلقي"، أي أن المعنى لا يُولد إلا في الوعي الإنساني: "النص لا ينطق بذاته، بل في إطار الثقافة التي تتلقّاه. "
أما فضل الرحمن، فقد دعا إلى ما سماه "الحركة المزدوجة للتأويل" — من السياق التاريخي إلى المبدأ الأخلاقي العام، ثم من هذا المبدأ إلى الواقع الحديث: "القرآن لا يُقرأ بتكرار الماضي، بل باستحضار منطقه الأخلاقي في كل عصر. "
وفي المقابل، حذّر المفكر الجزائري مالك بن نبي من أن يتحوّل هذا التأويل الحديث إلى صدامٍ مع المطلق، قائلاً في الظاهرة القرآنية: "إننا لا نحتاج إلى قراءة تُحاكم القرآن، بل إلى وعيٍ يُعيد اكتشاف حضوره فينا. "
رابعًا: الإنسان بين السعي والصدام
من الناحية الوجودية، لا يصادم الإنسان المطلق من حيث الحقيقة، لأنّ المطلق لا يُصادَم، بل يُدرك بالتسليم.
لكن الإنسان قد يصادم صورته الخاصة عن المطلق — أي فهمه النسبي له. وهنا يتحوّل التأويل إلى حلبة صراع بين الإيمان والعقل، بين العبودية والحرية، بين القداسة والتاريخ.
كما يعبّر الفيلسوف محمد إقبال في تجديد التفكير الديني في الإسلام: "ليس في الدين جمود، لأن الوحي لا يُغلق الباب أمام العقل، بل يضع له الاتجاه الصحيح. "
خاتمة
التوتر بين المطلق والتأويل ليس خللاً في التجربة الدينية، بل هو جوهرها الحيّ.
فالمطلق يذكّر الإنسان بحدوده، والتأويل يذكّره بواجبه في الفهم.
وكل محاولة لتجاوز أحد الطرفين — بتقديس الفهم أو بتعطيل الوحي — هي سقوط في أحد نقيضين: الجمود أو التفلت.
إنّ التأويل لا يُلغى، لكنه يُطهَّر من الأهواء. والمطلق لا يُدرَك، لكنه يُستضاء به.
وفي هذا التوتر الخلّاق، تستمر رحلة الإنسان نحو الله، بين نور الوحي وظلّ الفهم.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |