التأويل بين مالك بن نبي ومحمد أركون

يحي عباسي بن أحمد
2025 / 11 / 19

مقدمة
حين نُقارب فكرة التأويل في السياق الإسلامي الحديث، نجد أنفسنا بين قطبين كبيرين شكّلا مسارين مختلفين جذريًا في قراءة النص:
• قطب محمد أركون الذي دفع بالهرمينوطيقا إلى أقصاها عبر مشروع "نقد العقل الإسلامي".
• وقطب مالك بن نبي الذي أعاد بناء العلاقة مع الوحي في إطار مشروع "فاعلية الحضارة".
ليس الاختلاف بينهما اختلاف أدوات فحسب، بل اختلاف رؤية للإنسان، وللنص، ولعلاقتهما بما يسميه كل منهما "الممكن التاريخي".
هذا الفصل يحاول أن يعيد تركيب المسافة بينهما، لا ليحكم لأيّهما، بل ليكشف كيف تؤسّس كل قراءة جهازها التأويلي الخاص، وكيف يتيح لنا هذا الاختلاف اقتراح ما سميناه في الفصل السابق: "التأويل المنقذ".
أولاً: النص بين أركون ومفهوم "الجهاز التأويلي"
1. أركون: النص محكوم بالبنية التي تؤولُه
يقول محمد أركون: "النصوص لا تقول شيئًا بذاتها، بل تقول ما يسمح به جهاز التأويل المسيطر تاريخيًا." )أركون، نقد العقل الإسلامي، ص 41(
هذا الجهاز عند أركون يتكوّن من:
1. الفقه بمذاهبه
2. أصول الفقه كمنهج تأويلي
3. العقائد الأشعرية أو السلفية
4. اللغة العربية بوصفها جهازًا دلاليًا مغلقًا
5. السلطة السياسية التي كرّست قراءات ونفت أخرى
إذن النص عند أركون ليس بنية منفتحة بذاتها، بل "يُغلق" من الخارج.
النص عنده قابل لقراءات لانهائية، لكنه مسجون داخل ما يسميه: "العقل الإسلامي الكلاسيكي".
ولذلك هدفه المركزي كان "تفكيك الجهاز" لا "إعادة تأويل النص".
2. اعتراض نقدي: هل النص صامت حقًا؟
هنا يبدأ الخلاف.
إن ادعاء الصمت المطلق للنص يجعل القرآن مساويًا لأي نص لغوي، وهو أمر يتجاهل:
• طبيعته "الملزمة" (تكليفًا وهداية)
• نظامه الحجاجي
• بنيته المتعمدة في إنتاج أثر معرفي وروحي
• ما يسميه الجابري "البراديغم القرآني"
• وما يسميه ابن العربي "الإشارة الباطنة التي لا يفصح بها إلا لنفسها"
بعبارة أخرى: النص القرآني ليس خارج التأويل فقط، بل منتجٌ للتأويل.
ثانيًا: مالك بن نبي وعودة النص إلى "وظيفته الحضارية"
1. النص كقوة مولّدة للفعل الحضاري
يرى مالك بن نبي أن المشكلة ليست في "النص" بل في "الإنسان الذي يستقبله".
فيقول: "المشكلة ليست في الإسلام، بل في المسلمين." )بن نبي، مشكلة الأفكار، ص 17(
عند بن نبي النص ليس محايدًا، بل مولّد للأفكار الفاعلة.
وظيفته ليست أن يُقرأ فقط، بل أن يصنع قابلية حضارية.
من هنا تتولّد لديه مجموعة أفكار مركزية:
• القرآن بنى الإنسان قبل أن يبني الدولة.
• التأويل الحق هو الذي يعيد إنتاج الهيئة النفسية والأخلاقية للجيل الأول.
• النص له "قابلية تفجيرية" إذا وُضع في يد إنسان مستعد للتغيير.
2. نقد بن نبي لأزمة التأويل الإسلامي
يعتقد بن نبي أن التأويل لم ينهار بسبب "سلطة التراث" فقط، بل بسبب:
3. تفكك "القابلية الحضارية" في الداخل
4. اختفاء أهداف الفعل الإنساني
5. تحوّل النص إلى "موضوع جدل" لا "موضوع بناء"
وهو بذلك يناقض أركون: فالمشكلة عند بن نبي ليست في اللغة، ولا في التراث، بل في الإنسان.



ثالثًا: مقارنة نقدية بين المنهجين
1. منطلق الأنثروبولوجيا مقابل منطلق الحضارة

البعد محمد أركون مالك بن نبي
منطلق القراءة أنثروبولوجي-تفكيكي حضاري-إنساني
هدف القراءة تحرير النص من الجهاز التأويلي إعادة تفعيل النص في الواقع
النظرة للنص قابل للانفتاح اللامحدود منتج لفعالية حضارية ذات مقاصد
المسؤولية على "البنية" على "الإنسان"

2. حدود كل منهج
• حدود مشروع أركون:
• يسقط القرآن في حيّز النصوص المساوية، فيفقد خصوصيته المصاحبة لخطاب الوحي.
• يركز على "تحرير النص" ويغفل "تحرير الإنسان".
• ينتهي إلى "لامعنى دلالي محدد"، وهو ما يتعارض مع طبيعة النص القانوني والتشريعي والحجاجي في القرآن.
• حدود مشروع بن نبي:
• يعوّل على "إعادة إنتاج النفس المؤمنة" دون تقديم أدوات منهجية صريحة للقراءة التأويلية.
• اهتمامه بالمجتمع والحضارة يجعله أقل دقة في تحليل "البنية النصية".
رابعًا: نحو تركيب فلسفي — "التأويل المنقذ"
التأويل المنقذ يحاول أن يجمع ما تفرّق بين الرجلين:
1. من أركون:
• أهمية تفكيك الجهاز التأويلي
• الكشف عن مناطق الإقصاء
• الانتباه إلى السياقات التاريخية للقراءة
2. من بن نبي:
• مركزية الإنسان
• الوظيفة الحضارية للنص
• ضرورة إنتاج "فعل" لا مجرد "فهم"
وبذلك يصبح التأويل المنقذ قائمًا على أربع قواعد:
1. النص ليس صامتًا بل يوجّه التأويل داخليًا
القرآن يحتوي ما يسميه هيدغر "دستور التأويل من داخل النص نفسه":
• الناسخ والمنسوخ
• المحكم والمتشابه
• "هُدًى لِلْمُتَّقِينَ"
• "لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ"
2. الإنسان هو مركز العملية التأويلية
لا يكفي "تحرير النص"، يجب تحرير القارئ:
• من العصبيات
• من الانغلاق
• من القراءة الموروثة بلا فحص
• من الخوف من الأسئلة
3. السياق القرآني لا يلغى ولا يُستبدل
فهو سياق ينتج الدلالة لأن النص يلزم ذاته ذاتيًا.
4. التأويل فعل حضاري لا لذة معرفية
التأويل المنقذ هو ذاك الذي يعيد النص إلى وظيفته الكبرى:
إحياء الإنسان لا إثقاله بالجدل.
خاتمة: أيهما أقرب إلى "أفق القرآن"؟
قدّم أركون جراحة نقدية كبرى للعقل الإسلامي، لكنها بقيت حبيسة الأكاديمية.
وقدّم بن نبي مشروعًا لتجديد الإنسان، لكنه لم يمنحنا أدوات كافية للقراءة النصية.
أما القرآن، فيبقى خارج هذين المنهجين معًا، لأنه:
• لا يقبل أن يُختزل في "النصوصية"
• ولا أن يُختزل في "الروحانية الأخلاقية"
• بل يؤسّس نظامًا معرفيًا فريدًا:
نظامًا يوجّه التأويل، ولكنه يتركه مفتوحًا، يضبط الدلالة، ولكنه لا يغلق التجربة، ينادي الإنسان، ولكنه لا ينوب عنه.
وبذلك يصبح التأويل المنقذ ليس مشروع أركون ولا مشروع بن نبي، بل محاولة للعودة إلى النص المؤسِّس دون أن نسجن أنفسنا داخل تاريخ التأويل،
ولا أن نهوي في فراغ التأويل اللامحدود.
إنّه التأويل الذي يجعل النص يبني الإنسان، ويجعل الإنسان يستحق النص.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي