|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عادل محمود
2025 / 11 / 17
في ذلك الركن القصي من جبل الأنديز، حيث تتحول الجغرافيا إلى ذاكرة، خرج رجل يشبه الشظية التي أفلتت من قبضة التاريخ. لم يأت من قصور الطبقة المطمئنة، بل من الأزقة التي كانت تشق طريقها بين إرث الاستعمار ورائحة البارود. ومع ذلك صعد إلى منصة الأمم المتحدة كمن يمضي إلى امتحان العالم لا امتحان بلاده وحدها. هذا الرجل هو جوستافو بيترو، الرئيس الذي قرر أن يتكلم لا بلسان كولومبيا فقط، بل بلسان الجنوب الذي ظل طويلا تحت وصاية الشمال.
وحين قررت الولايات المتحدة سحب تأشيرته، بدا الأمر كأن مؤسسة كبرى رفعت غطاءها عن آلية السيطرة الحديثة. لم تعد الإمبراطوريات بحاجة إلى الأساطيل، فقد أصبحت التأشيرة نفسها أداة تأديب. نافذة تُفتح لمن يسير في الإيقاع المطلوب، وتُغلق حين يحيد الخطاب عن النص المقرر. القرار لم يكن إداريا، بل إعلانا عن مدى الانزعاج الذي يسببه صوت صريح في لحظة دولية يختلط فيها الغبار بالدخان.
خطاب بيترو في الجمعية العامة لم يكن خطابا دبلوماسيا، بل مشهدا من مسرحية تراجيدية يتصارع فيها الإنسان مع آلة عملاقة بلا وجه. رفع الرجل كفه كما لو أنه يوقف جرافة، وقال إن ما يحدث في غزة ليس نزاعا، بل سحق لإنسان أعزل. لم يستدع قاموس اليسار القديم، بل استدعى ضمير العالم الذي توارى خلف النموذج الأمريكي للقانون الدولي. وبدت كلماته كأنها تُسقط ستارا سميكا عن مسرح تتكرر فيه الجرائم بلغة الشرعية.
ولم يقف عند حدود نقد السياسات، بل ذهب لجوهر العقل الإمبراطوري الذي أعاد رسم خرائط الأرض وفقا لمقاييس القوة، مانحا شرعية لمن يشاء، نافيا الإنسانية عمن يشاء. بيترو في تلك اللحظة كان أشبه بمؤرخ يتلو وثيقة اتهام بعدما وصلت الوقائع إلى نقطة لا يصلح معها الصمت.
في نيويورك، بين ناطحات السحاب التي تشبه نصبا للسلطة، ارتدى الكوفية ولف العلم الفلسطيني حول معصمه. كان المشهد أقرب إلى حركة شعرية منه إلى إجراء بروتوكولي. ولما نطق بعبارته الشهيرة التي هاجم فيها إخضاع الجندي لإرادة رئيس أمريكي، ارتجت القاعة كما لو أنها سمعت لأول مرة خطابا لا يطلب التصفيق.
ومن فوق المنصة دعا إلى تشكيل قوة عالمية هدفها الأول تحرير الفلسطينيين، مؤكدا أن الفيتو الأمريكي شل أعصاب الدبلوماسية. هنا لم يعد رئيسا لدولة، بل شاهدا على زمن ينهار فيه نظام القيم الذي وعدت به الحداثة الغربية. بدا كأن العالم يسمع صدى قديم، صدى بوليفار وهو يفتح الطريق أمام جمهوريات لم تولد بعد.
ثم جاءت الضربة المتوقعة. التأشيرة سُحبت، وقدمت واشنطن فعلها كما يقدم الموظف ورقة إجراء. غير أن الإجراء كان كافيا لفضح ما يجري تحت الطاولة. فالمنع من السفر أصبح وسيلة لإلغاء الصوت، وإعادة وضع الحدود حول من يحق له الكلام ومن يُنفى صوته إلى الفراغ. ورد بيترو بجملة قصيرة بدت كأنها تقطع الحبل السري بينه وبين هذا النظام: قال إنه لا يحتاج إلى إذن كي يمر في العالم، وأن الإنسان الحر لا يُحاصر.
ولم يكن بيترو أول من يتعرض لهذه الأداة، فقد سبقه قضاة برازيليون ورؤساء لاتينيون سابقون. لكن تأثير العقاب هذه المرة بدا مختلفا، لأن الرجل لم يدخل معركة شخصية، بل دخل في قلب التوازنات الجيوسياسية. فمع اقتراب كولومبيا من مبادرة الحزام والطريق منتصف 2025، ومع إعادة توزيع النفوذ بين الشرق والغرب، شعرت واشنطن بأن رقعة الشطرنج تهتز تحت أصابعها. وجاء رد بيترو على تهديدات قطع المساعدات واضحا كأنما يخرج من مدرسة ثورية لا تزال رائحتها عالقة في الكتب القديمة. قال إن كولومبيا تريد علاقة ندية، لا علاقة تُكتب ملاحظاتها في مكاتب السفارات.
في تلك اللحظة بدا أن القارة التي كانت تسمى الحديقة الخلفية تعيد تصميم نفسها. لا على قاعدة العداء، بل على قاعدة الاستقلال. وكأن دماء جيفارا لم تتبخر تماما، بل بقيت كحبر خفيف على هامش التاريخ.
وفي سبتمبر من العام نفسه، حين انطلق من صقلية أسطول الصمود العالمي، كان المشهد امتدادا رمزيا لخطاب بيترو. خمسون قاربا شراعيا تحمل متطوعين من قارات العالم، يتجهون إلى غزة عبر البحر المفتوح. كان الحدث أشبه بكتابة سطر أخير في رواية تحاول إيقاظ العالم. أحد المشاركين تحدث عن سبعمائة يوم من الحصار، وعن رغبة في إثبات أن الإنسانية لم تُنس حقها في الحياة. كأن فعل الإبحار نفسه كان احتجاجا على عالم يتقلص ضميره بقدر ما تتسع شاشاته.
هكذا يتجاوز بيترو صورة الرئيس. يتحول إلى شاعر سياسي، وإلى شاهد على زمن تتآكل فيه قيم الليبرالية الغربية عند أول اختبار للعدل. وعندما يقول إن الإنسان الحر أقوى من إمبراطورية من الصمت، فإن العبارة لا تبدو شعارا، بل خلاصة لقرن كامل من التناقضات بين الصورة والواقع.
المعركة التي يخوضها ليست معركة دولة، بل معركة مفردة في مواجهة منظومة. فالعالم الذي يتسلل فيه الاقتصاد إلى روح السياسة يفقد القدرة على رؤية الإنسان. وبيترو يعيد التذكير بأن الحرية ليست امتيازا، بل شرط وجود. وأن الكلمة التي تُقال في وجه السلطة تصبح فعلا، مهما بدا ضعيفا، لأنها تكسر الصمت مرة واحدة، وربما تفتح بوابة يمكن أن يمر منها مستقبل مختلف.
وفي النهاية، يبدو الرجل كمن يكتب قصيدة على هامش سجل الدول. قصيدة تحاول إنقاذ ما تبقى من فكرة العدالة. ليس بوصفه بطلا، بل بوصفه إنسانا قرر أن يقول لا في اللحظة التي يهرب فيها الجميع من قولها.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |