|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
مالك الجبوري
2025 / 11 / 15
شهد العراق بعد عام 2003 تغييرات كبيرة لم تقتصر على السياسة وحدها، بل امتدّت إلى كل ما يخص الحياة اليومية، ومنها الإعلام والخطاب العام. فبعد عقود من السيطرة الصارمة للدولة على الصحافة والتلفزيون، ظهر فجأة فضاء إعلامي جديد، مفتوح، متنوع، ومليء بالأصوات التي تتنافس على تفسير الواقع وتقديم رواياته.
في زمن النظام السابق، كانت الحقيقة تُقدَّم للمواطن بشكل جاهز، وتأتي من جهة واحدة فقط. أمّا بعد 2003، فقد حدث العكس تمامًا: تعددت الفضائيات، وانفتحت الإنترنت أمام الجميع، وظهر جيل كامل يستخدم مواقع التواصل ليقول رأيه بلا خوف. هذا التعدد الظاهر خلق انطباعًا بأن العراق دخل مرحلة حرية إعلامية واسعة، لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
فمع سقوط سلطة الدولة، ظهرت سلطات أخرى:
الأحزاب، الميليشيات، رجال الدين، الممولون، وأصحاب المصالح الاقتصادية. كل جهة حاولت أن تمتلك «منبرها» الخاص. ولذلك يمكن القول إننا لم ننتقل من إعلام مُسيطر عليه إلى إعلام حر بالكامل، بل انتقلنا إلى إعلام متشظٍ، تتنازع عليه قوى كثيرة تبحث عن النفوذ والتأثير.
ورغم هذا التشظي، ساعد المشهد الجديد على ظهور شيء مهم: مساحات هامشية للنقد لم تكن موجودة من قبل. فقد بدأ المواطن يشاهد قنوات تتحدث لغة قريبة منه، وبدأ يقرأ منشورات تتناول الفساد بطريقة مباشرة، وبدأ يسمع أصواتًا تتساءل عن دور رجال الدين والأحزاب في الحياة العامة. هذا النوع من النقاش لم يكن ممكنًا قبل 2003. ولذلك، فإن التحول الإعلامي في العراق فتح الباب أمام إعادة تشكيل المجال العام بطريقة أكثر شمولًا وجرأة.
ومع دخول الإنترنت إلى كل بيت تقريبًا، لم يعد الإعلام حكرًا على الدولة أو الأحزاب. أصبح الشباب — وهم الفئة الأكثر نشاطًا — ينتجون محتوى خاصًا بهم: فيديوهات، تعليقات، صور ساخرة، مقالات قصيرة. هذا النشاط خلق ما يمكن تسميته بـ «الفضاء العمومي الرقمي»، وهو فضاء لم تعد السلطة قادرة على التحكم فيه بسهولة، لأنه يعيش على صفحات الفيسبوك واليوتيوب والتيك توك… حيث ينتشر المحتوى بسرعة تفوق قدرة الرقابة على السيطرة.
في الوقت نفسه، أدى تراجع ثقة الناس بالإعلام التقليدي إلى البحث عن بدائل. فالخطاب الرسمي بدا بعيدًا عن الواقع، بينما بدت الأصوات الجديدة — رغم ضعفها أحيانًا — أكثر صدقًا وقربًا من مشكلات الناس. ولهذا أصبح الإعلام البديل، خاصة الإعلام الساخر، أحد أهم منافذ التعبير عن غضب العراقيين وإحباطهم.
ويمكن القول إن ما بعد 2003 خلق وضعًا إعلاميًا فوضويًا لكنه حيّ ومتحرك، عرضة للصراع، لكنه أيضًا مساحة للبحث عن الحقيقة. ورغم أن هذا الإعلام ليس مثاليًا، إلا أنه أتاح للعراقي فرصة أن يسمع ويشاهد وينتقد ويسأل بطريقة لم تكن ممكنة سابقًا.
هذا المشهد هو الذي مهد — بشكل طبيعي — لظهور تيار جديد في الإعلام السياسي، وهو الإعلام الساخر، الذي وجد في هذا الفضاء المفتوح فرصة للانتشار والتأثير، وأتاح لشخصيات جديدة — مثل أحمد البشير — أن تتحول إلى رموز قادرة على مخاطبة ملايين الناس، وفتح نقاشات لم يكن أحد يجرؤ على فتحها من قبل.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |