|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
أحمد فاروق عباس
2025 / 11 / 13
الصين أكبر دول العالم سكانا، وروسيا أكبرها مساحة، وكلاهما لم تعرف الديموقراطية علي النمط الغربي في تاريخهما، وكلاهما بني قوته بعيدا عن المعايير الغربية...
والامر ليس له علاقة برئيسي البلدين حاليا، ولا رؤساءهما السابقين، ولكن لأسباب أهم وأعمق بكثير، فلم تكن روسيا ديموقراطية قبل فلاديمير بوتين ولا قبل أسلافه...
وكذلك لم تكن الصين دولة ديموقراطية قبل شي جين بينج رئيس الوزراء الحالي.. ولا قبل أسلافه..
الامر ليس مزاج حاكم إذن... ولا هي نزعة استبدادية تتحكم في قادة الصين وروسيا، وتأمرهم بالبعد عن الديموقراطية...
ولكن الامر مرتبط بتطور تاريخ البلدين؛ وبصورة أشمل مرتبط بالأبنية الاقتصادية للمجتمعات... بمعني انه لا توجد طبقة اقتصادية سائدة في كلا البلدين تمسك بمقاليد القوة فيه وتنظم الحياة السياسية وتقدم الوجوه الجديدة للعمل في السياسة، والتي تقوم برعاية مصالح تلك الطبقة وتقوم في نفس الوقت باعطاء الشعب احساسا بالتغيير، مما يستلزم معه أن يقوم جهاز الدولة بالأمر في حالة روسيا، وحزب قائد وحيد في الصين....
وتلك الطبقة القائدة في الغرب هي الطبقة الرأسمالية... وهي طبقة نمت وتوسعت وتطورت في أوربا الغربية وأمريكا علي مدي قرون، وهي التي بنت دولها ووضعت النظام السياسي الملائم لها....
وليس في روسيا طبقة رأسمالية يمكنها ان تقود الدولة، ربما بها مجموعات من الأغنياء حديثي الثراء، والذين لا يكونون طبقة بالمعني المتعارف عليه...
ونفس الامر بالنسبة للصين... الطبقة الرأسمالية هناك حديثة التكوين، وكل من الطبقة الرأسمالية في روسيا وفي الصين تابعتين للدولة بعكس التجربة الغربية، حيث بنت الطبقة الرأسمالية الدولة وصنعتها كيفما شاءت...
ومن هنا فجهاز الدولة هو من يحكم في روسيا وهو من يقدم المناصب العليا ومنها رئيس البلاد...
ولا يختلف الامر كثيرا في الصين، فالحزب الشيوعي الصيني الحاكم وهو المسيطر علي جهاز الدولة الصينية هو من يقود المناصب العليا، ومنها رئيس البلاد...
وتجربة الصين وروسيا يمكن تعميمها علي دول العالم الثالث، وهي دول نامية خرجت من عصر الاستعمار منذ عقود، وليس بها طبقات رأسمالية متحدة وذات مصالح متقاربة، بل كانت بيروقراطية الدولة هي من تولت الحكم بعد زوال عصر الاستعمار، سواء شقها المدني حيث كبار بيروقراطية الجهاز الاداري للدولة أو الجهاز البيروقراطي لحزب حاكم، أو في شقها العسكري حيث تولت الجيوش حكم بلاد كثيرة في العالم الثالث في ظل غيبة طبقة رأسمالية قائدة، وترهل جهاز الدولة المدني وفساده...
قد يسأل سائل... ولكن هناك بعض الدول بها ديموقراطية - أو شكل من تداول للسلطة - كما يبدو بلا طبقة رأسمالية قائدة كالهند مثلا أو اسرائيل...
وهنا ننتقل الي واحد من الشروط الحاكمة لأي ديموقراطية قابلة للعيش في زماننا، وهو قبول قادة النظام الدولي - أعني الولايات المتحدة - لهذا الشكل من تداول السلطة ودعمه لمصالحها...
فالطبقة الرأسمالية تعمل عادة علي ضمان ذلك الشكل من تداول السلطة بما تملك من وسائل الفعل والحركة، وفي غيبة تلك الطبقة يصعد مباشرة الي الصدارة اما بيروقراطية حزب قائد كالصين او كبار موظفي الادارة الحكومية كروسيا او الجيش كما في حالة مصر...
ليس في الهند طبقة رأسمالية قائدة ولكن بها مجموعة من الأحزاب بعضها أحزاب دينية متطرفة وربما العالم كله يعلم مدي فسادها...
ولكن الديموقراطية بدون طبقة قائدة في الهند تحقق مصلحة مباشرة للغرب، فهي المعادل سكانا ومساحا للتنين الصيني، وانهيار الهند لا يحقق أي مصلحة غربية...
وتداول السلطة في إسرائيل غالبا ما يكون بين شخصيات عسكرية تنتمي الي الجيش الإسرائيلي، ربما يتنافس معهم أحيانا بعض كبار موظفي الدولة ، واسرائيل بغض النظر عن نظام الحكم فيها مستعمرة غربية في قلب الشرق...
فوجود مصلحة غربية في تبديل الوجوه والتيارات السياسية الحاكمة هو ما يسند ذلك الشكل من تداول السلطة في الهند واسرائيل، ولو أراد الغرب في لحظات تفجير تلك الديموقراطية في البلدين لاستطاع فورا وبسهولة متناهية...
ما الوضع لو تنحي الجيش كما في حالة مصر، او جهاز الدولة الاداري مسنودا بالقوات المسلحة كما في حالة روسيا، أو بيروقراطية حزب واحد قائد كما في الصين عن الحكم، وفي نفس الوقت بدون وجود طبقة رأسمالية ذات جذور تاريخية راسخة تقود المجتمع كما في التجربة الغربية...
والجواب هو ان الفوضي السياسية والاجتماعية ستضرب ذلك البلد بلا جدال..
وهنا نكون أمام احتمالين لا ثالث لهما...
إما أن يكون ضبط الامور في ذلك البلد يحقق مصلحة لقوي الغرب التي تقود النظام الدولي، ومن هنا سيجدون صيغة للتدول الاسمي للسلطة بين بعض التشكيلات الاجتماعية، قد تكون احزاب سياسية أو دينية او طائفية كما في الهند لا تستند علي أسس راسخة الا سماح أقوياء العالم، أو شخصيات عسكرية وتكنوقراط كما في حالة اسرائيل أو تركيا، حيث يصعد الي رئاسة الدولة إما مقربين من الجيش أو رجال الأحزاب الدينية كأربكان وأردوغان...
أو لا يكون ضبط الأمور في ذلك البلد في مصلحة القوي الغربية، وهنا يترك مصيره للفوضي المقصودة، كما في حالة ليبيا ولبنان في وقتنا الحاضر...
وقد يطرح سؤال نفسه... واين دور الطبقة الوسطي في الديموقراطية ؟!
والجواب أن الوسطي ربما تكون حافظة التقاليد، وربما تمد الدولة بالكوادر الجيدة او الممتازة، ولكن في الغالب لا تستطيع أن تكون ضامنة للديموقراطية، لعدم وجود وسيلة في يدها تسندها في الفعل، فالطبقة الرأسمالية تملك وسيلة المال، وجهاز الدولة في يده القوة، ربما تملك الطبقة الوسطي العلم والخبرة ولكنها لا تملك أكثر من ذلك، لا تملك فرض ارادتها وتوليد نظام يملك البقاء والاستمرار ...
الديموقراطية تحتاج دائما الي ضمانات، تلك الضمانات هي من تضبط الأمور وتضع الحدود وتمنع الشطط، وفي التجربة الغربية تعمل الطبقة الرأسمالية كضامن للديموقراطية - لأن الديموقراطية تحقق مصالحها في المقام الأول - وتعمل علي تبديل الوجوه والتيارات تحت عينها وبإشرافها....
وفي الدول التي لم تمر بالتجربة الطويلة والمتعرجة لدول الغرب الكبري فمازال لها نظمها السياسية المتباينة...
أما من وضع نفسه كدول وظيفية للغرب فربما يسمح لها بتنظيم شكل من تداول السلطة بين أشخاص وتيارات مصنوعة ومسيطر عليها بواسطة تلك القوي الكبري، والتي في يدها مفاتيح تشغيل النظام كله والسيطرة عليه....
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |