|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

داود السلمان
2025 / 11 / 11
يشكّل المقطع الفيديو الهزيل الذي انتشر بسرعة البرق في وسائل التواصل الاجتماعي مرآة صادمة، تكشف عن حجم الانحطاط الأخلاقي الذي وصل إليه بعض من يُفترض أنهم رموز في المشهد الثقافي. إنّ ما تضمّنه ذلك المقطع من ابتذالٍ في النظر، وتدنٍّ في المعنى الانساني، واستعراضٍ فارغ من أي مضمون جمالي، بل عبّر عن هشاشة متدنية، لا يمكن النظر إليه على أنه مجرّد تصرّف مغلوط أو زلة عابرة، بل هو تجسيد لحالة أعمق من التراجع القيمي والوعي المزيف الذي بات يخيّم على قطاعات واسعة من المشهد الثقافي في مجتمعنا العراقي. فحين يصدر هذا النوع من السلوك عن شخص شغل مناصب ثقافية رفيعة، يصبح الأمر أكثر خطورة، لأنه يكشف أن الخلل، لم يعد محصورًا في الأفراد، بل امتد إلى البنية الثقافة نفسها وإلى المؤسسات التي يفترض بها أن تنتقي النخب وتكرّس المعايير الأخلاقية والفكرية الرفيعة.
طالما كانت الثقافة يومًا ما مساحة للارتقاء بالعقل والذوق، ووسيلة لتطهير النفس من الابتذال والانحدار. أما اليوم، فقد تحوّل جزء من المشهد الثقافي إلى ساحة للبحث عن الشهرة الرخيصة، والاستعراض الإعلامي الباهت، والمزايدة الخطابية التي لا تحمل أي عمق فكري أو جمالي. وسائل التواصل الاجتماعي بدورها ساعدت على تضخيم هذا الانحدار، فصارت تنتج نجومًا من الهشاشة، وتُسقط أصحاب الفكر الحقيقي في زوايا التهميش. إنّ المقطع الذي انتشر لم يكن ليلقى كل هذا الصدى لولا وجود جمهورٍ فقد معاييره الجمالية والأخلاقية، جمهورٍ صار يقيس القيمة بمدى الجدل والانتشار لا بمدى الصدق والمعرفة. وهذا لا يعني أن لا ندين الفاعل، الذي تجاوز الأخلاق، ونمسح على ظهره لكونه ينتمي الى جهة حزبية معينة.
إنّ هذا الانهيار في الأخلاق لا يحدث فجأة، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من التسييس الثقافي، المرتبط بالسياسة الخاطئة والجاهلة في الوقت نفسه. إذ تحويلت المؤسسات الثقافية إلى فضاءات بيروقراطية خاوية لا همّ لها سوى المحسوبية، وتعيين أناس لا على اساس الكفاءة، والحنكة المعرفية، بل لكونهم ينتمون الى جهة حزبية. إنّ المناصب التي يفترض أن تكون تكليفًا لخدمة الوعي الجمعي تحوّلت إلى أدوات للتفاخر والظهور، فأنتجت طبقة من المثقفين الرسميين الذين لا يملكون من الثقافة سوى ألقابهم، ومناصبهم الحزبية في هذا الوطن الجريح.
وما يدعو إلى الأسى أن المشهد الثقافي اليوم، بدلًا من أن يواجه هذه الانحرافات بالنقد الجاد، يتعامل معها أحيانًا بصمتٍ أو حتى بتبريرٍ متهافت تحت ذريعة متعددة، وتبريرات مخجلة أو حتى الى أن "الذكاء الاصطناعي". إنّ مسؤولية المثقفين الحقيقيين اليوم أن يواجهوا هذا الانحطاط بالوعي والنقد البنّاء، وأن يعيدوا الاعتبار إلى المعايير التي تُفاضل بين الإبداع والابتذال، بين الرسالة الثقافية وبين التراجع في القيم والاخلاق؛ فالثقافة ليست سلعة تُروَّج بالفضائح، بل هي فعل وعيٍ ومسؤولية تجاه المجتمع والإنسان.
إنّ المقطع الهزيل الخادش للحياء الذي أثار كل هذا الجدل – هو تعبير عن رفض واستنكار، من قبل المثقف الملتزم. لقد تماهت بعض المؤسسات الثقافية مع هذا النمط السطحي حتى فقدت قدرتها على فرز الجيد من الرديء، (لا أعمم - بطبيعة الحال بل أقصد ما اريد قوله) وصار الانتماء إليها لا يعني بالضرورة الانتماء إلى الفكر أو الإبداع، بل إلى منظومة تديرها أحزاب ضالعة بالفساد.
إنّ استعادة القيمة الأخلاقية للثقافة لا تكون بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار للإنسان العراقي، والمثقف بوصفه ضمير المجتمع لا بوقه، وبإحياء روح النقد بوصفها جوهر الثقافة لا خصمها. فالمجتمع الذي يبرر الانحطاط، أو يستهين به بدعوى أنه "خطأ غير مقصود"، أو "ليس الانسان معصومًا"، أو "ليس المثقف بنبي"!. وبالتالي علينا أن ندرك أن الثقافة ليست ترفًا، بل هي خط الدفاع الأول عن كرامة الإنسان ومعناه. والمشهد الذي رأيناه في ذلك المقطع ليس سوى تحذير مؤلم من مستقبل ثقافي مهدد بالانهيار، علينا أن لم نواجهه بوعيٍ ومسؤولية. إنّ اللحظة الراهنة تتطلب وقفة صادقة مع الذات الثقافية، ومراجعة شجاعة لمعاييرنا، حتى لا تبقى الثقافة رهينة الهشاشة، وتردي الأخلاق.
المقطع محفوظ عندي
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |