-6 أيام- .. سينما العاشق المتأخر

عادل محمود
2025 / 11 / 10

كأن هذا الفيلم لم يصور بالكاميرا، بل بنبضات حنين عتيق ، وكأن المخرج لم يوجه عدسته نحو مشهد خارجي، بل غاص في ذاكرة قلبه، وراح يبحث فيها عن صدى صوت قديم، عن أغنية تحزننا كلما تذكرنا أين كنا حين سمعناها لأول مرة.

"6 أيام" ليس فيلما، بل رقعة عاطفية مخاطة بمسامير الزمن. هو حوار طويل، واعتراف مقسم على ستة مشاهد من العمر، بين "يوسف" و"عالية"، لكننا نحن من يشعر أننا الطرف الثالث في هذه القصة، كأن الفيلم لا يشاهد من الخارج، بل يشاهدك من الداخل.

من 2006 إلى 2024، يحكي الفيلم عن علاقة حب تشبه حياتنا نحن، أكثر مما تشبه أفلام الحب. تبدأ بلقطة على شاشة سينما، وتنتهي بلقطة أخرى على شاشة تشبه الأولى، لكن الفرق بين المشهدين ليس الكادر ، بل الجرح الذي أصبح جزءا من الصورة.

المخرج "كريم شعبان" ، في تجربته الأولى، لا يريد أن يقول لك شيئا. لا يهمه أن يبهرك أو يدهشك. هو فقط يريدك أن تجلس بجوار شخصين يحاولان فهم نفسيهما من خلال بعضهما. هذا فقط ، وكل شئ بعد ذلك يأتي تلقائيا: النظرات، الصمت، الأغنية التي تأتي في اللحظة التي لم يعد عندها الكلام ممكنا.

الزمن هنا لا يستخدم كترتيب تقويمي، بل كوسيلة كشف. كل عام من الأعوام الستة التي يمر بها الفيلم، هو كأنك فتحت درجا في خزانة قلبك، ووجدت ورقة مطوية على شكل ألم مألوف.

"آية سماحة" لا تمثل. بل تعيش "عالية" كما لو أنها حلم لم يكتمل. كائن ناعم هش لكنه عنيد. حين تغضب، تشبه المطر الذي ينهار فجأة. وحين تبتسم، تذكرك بابتسامة عرفتها يوما ثم نسيتها.

أما "أحمد مالك" ، فهو لا يزال يراوغ بين الطفل الذي يخاف من الفقد، والرجل الذي يتظاهر بالقوة. في مشهده عام 2017، لا يبكي، بل يتركنا نحن نبكي عنه. يقف كما يقف شخص اعتاد الهزيمة، ويعرف أن الاعتذار لا يصلح شيئا، لكنه يقوله رغم ذلك ، لأن الصمت أسوأ.

الحوار بينهما ليس حوارا، بل تقاطع وجدانين. كل جملة تنبع من جرح، وكل صمت يخفي جملة أعمق. الفيلم هو حوار بينهما فقط، لكن لم نشعر بالملل، لأن الصدق لا يمل، والضعف الإنساني دائما مذهل حين يقدم بشجاعة.

في لحظة ما، نشعر أن "محمد منير" جالس معهما، لا يسمعانه فحسب، بل يتذكرانه وهما يستمعان. أغنية "راجعة ليه" لم تستخدم كموسيقى تصويرية، بل كـ صرخة مكتومة. أغنية "العيون السود" ليست في الخلفية، بل في المقدمة، تماما كما تكون الأغنية جزءا من الحنين، لا من المشهد.

وهنا ندرك عبقرية الاختيار: لم تكن الأغاني لإثارة التعاطف، بل كانت وسيلة لإحياء علاقة، كأن الحنين لا يعيش إلا في الصوت.

"كريم شعبان" لم يضع كاميرته ليثبت براعة، بل ليراقب انكسارا ناعما. في زحام التجارب الأولى، التي غالبا ما تنشغل بالإثبات، اختار أن يصغي أكثر مما يتكلم. لم يدر الكاميرا، بل أدخلنا إلى رأس "يوسف" وقلب "عالية"، وجعل المكان يهمس، والضوء يواسي، والشارع يقول ما عجزت الجملة عن قوله.

كل شيء بسيط، لكنه مسكون: زاوية التصوير، ضوء الشمس، كادر الغروب، صمت الشقة، صوت القاهرة البعيد. كل تفصيلة تختزن تجربة، وكل مشهد فيه أثر مشاعر لم تقال يوما، لكنها موجودة في الهواء.

"6 أيام" لا يحكي عن حب فقط، بل عن التأخر في فهم الحب. عن اللحظة التي أدركنا فيها أننا لم نحب جيدا، لأننا كنا مشغولين بالخوف من الحب. عن تلك النظرة التي تمنينا أن نعود إليها، لا لنقول شيئا، بل لنصمت قربها مرة أخرى.

ليس فيلما مثاليا ، نعم، بعض الحوارات بدت ذهنية أكثر من اللازم. وبعض الانتقالات الزمنية كانت بحاجة إلى خيط أمتن ، لكن، من يهتم؟!
في النهاية، هذا ليس فيلما نقيمه، بل فيلم نصدقه. وهذه قيمة لا تشتري .

"6 أيام" يشبه رسالة لم ترسل. أو مكالمة لم نجرؤ على إجرائها. أو ربما وجها قديما رأيناه في المترو فجأة، وابتسمنا، دون أن نعرف لماذا.

هذا الفيلم لا يهمه إن كنت تحبه أم لا. يكفيه أنك تتذكر شيئا أثناء مشاهدته ، وربما – وهذا يكفيه تماما – أن تشعر بوخزة في القلب حين تسمع أغنية قديمة بعد خروجه .

السنين غيرتنا ، لكن هل قتلت فينا القدرة على الحب؟
ربما لا نعرف الجواب ، لكن هذا الفيلم يعرف كيف يسأل السؤال بصوت ناعم ، لكنه لا ينسى.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي