|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
طارق فتحي
2025 / 11 / 8
في عام 1998 اهداني صديق أراد الهجرة من العراق، اهداني كتاب "اللغة والفكر" للدكتور نوري جعفر، كان هذا اول تعارف لي بهذه الشخصية الفذة والرائدة في مجال الفكر والفسلجة والتربية، بعدها واظبت الى حد ما على قراءة اغلب منتجات الدكتور نوري جعفر، فهو كان غزير الإنتاج في مجالات عديدة، منها الفسلجة خصوصا فسلجة بابلوف، فقد أصدر عدة مؤلفات في هذا الشأن، ومنها الفكر، وأيضا الجانب التربوي، فضلا عن الدراسات الاجتماعية والتاريخية.
لا نعتقد اننا سنضيف شيئا على ما ذكر من حياته، لكن فقط لتجديد ذكراه:
في عام 1914 وفي احدى القرى الصغيرة من قرى مدينة القرنة في البصرة، ومن بيت عائلة فلاحية فقيرة ولد الدكتور نوري جعفر، كان طموحه ان يكون طبيبا، لكن فقر عائلته حال دون ذلك، الا انه أصر على دخول كلية الطب، فشد رحاله الى بغداد بواسطة مركب نهري، وهناك قدم أوراقه الى عميد الكلية آنذاك "سندرسن باشا"، وبعد المقابلة اقترح عليه سندرسن ان يذهب لدار المعلمين العالية، وبالفعل ذهب الى هناك ليقدم أوراقه الى "متي عقراوي" عميد الدار في ذلك الوقت، الذي رأى درجات الشاب نوري العالية وتم قبوله؛ وتخرج منها الأول على الدورة.
في عام 1945 يحصل على منحة دراسية الى الولايات المتحدة الامريكية، لنيل درجة الماجستير والدكتوراه في الفلسفة وعلم النفس، ارتبط بعلاقة صداقة مع الفيلسوف الأمريكي "جون ديوي"، أحد رواد الفلسفة البرغماتية، كان الشاب نوري شديد الاعجاب بجون ديوي، وقد انعكس اعجابه بتقديمه رسالة الدكتوراه ب "فلسفة جون ديوي التربوية وتطبيقاتها في العراق"، ثم أصدر كتابا بعنوان "جون ديوي حياته وفلسفته".
كان طالبا متفوقا جدا، كانت جامعة اوهايو التي درس فيها، كانت تبعث شهريا درجاته الى السفارة العراقية في واشنطن، وكانت الأخيرة ترسل كتب الشكر لهذا الطالب على تفوقه.
اثرت المدرسة الروسية على نوري جعفر كثيرا، خصوصا مؤلفات عالم الفسلجة ايفان بابلوف، فقدم لها الكثير من المؤلفات، منها "طبيعة الانسان في ضوء فسلجة بافلوف" بجزأين، و "الفكر.. طبيعته وتطوره" و "الأساس المادي لعقل الانسان" وغيرها الكثير؛ فيعود له الفضل بإزاحة الى حد ما مؤلفات فرويد، او لنقل انه جاء بوجهة نظر أخرى في علم النفس.
بعد انقلاب شباط 1963 الأسود، هاجر نوري جعفر الى السعودية، وهناك أسس قسم "علم النفس" في جامعة "ام القرى"، وله فقط يعود الفضل في ذلك، وما بين عام 1965 الى عام 1991، درّس الفلسفة وعلم النفس في عدة جامعات، منها بنغازي الليبية، والرباط المغربية، وشفيلد البريطانية، وجامعة الكويت، ومونتريال الكندية.
استقر في ليبيا، مدرسا في جامعة الفاتح، وفي السابع من نوفمبر-تشرين الثاني من العام 1991 توفي الدكتور نوري جعفر، مخلفا ارثا فكريا وتربويا كبيرا، فله منا كل الذكر الطيب لما قدمه من تأليف وترجمة وتدريس، له كل الذكر الطيب ونحن في زمن قحط وجفاف الا من رجال الدين، الذين صاروا هم من يقود هذه البلاد نحو مزيدا من الخراب والجهل والرجعية.