|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
طلعت خيري
2025 / 11 / 8
المنافقون هم طائفة من المؤمنين بالله واليوم الأخر، ارتبطت مصالحهم السياسية والاقتصادية مع الذين كفروا من أهل الكتاب ، فلم يكتفوا بعدم الامتثال لوصايا الإنفاق والقتال في سبيل الله ، بل تصدوا للآيات العقائدية بالأفكار السياسية المضادة التي يمليها عليهم شياطين الضلال ، بداية لم يتوقع الذين امنوا من أهل المدينة ان مجريات الأحداث الميدانية تصل الى تحديات عسكرية وأمنية وقتال وإنفاق في سبيل الله ، ظانين ان الإسلام مجرد إيمان بالله واليوم الأخر ، الأمر الذي أدى الى تخلي البعض عن إيمانهم ، وخاصة الذين انقطعت مصالحهم الاقتصادية بعد قطع العلاقات مع المحرضين من أهل الكتاب ، وبالرغم من ان مسرح العمليات العسكرية ما بعد الهجرة كان لصالح المؤمنين ، أبرزها النصر في بدر سنة 2 للهجرة ، وجلاء المشركين من أهل الكتاب ناقضوا اتفاقية السلام سنة 4 للهجرة ، وجلاء المشركين من أهل الكتاب ناقضوا الاتفاقية الأمنية سنة 5 للهجرة ، إلا ان المنافقين تظاهروا بعدم علمهم بآيات القتال ، مبعدين أنفسهم عن العداوة والبغضاء التي تشكلت في مكة ما بين محمد والتحالف المكي الرأسمالي ، وطالبين من محمد سورة صريحة ومحكمة تحث مؤمنو المدينة على القتال قال الله ، ويقول الذين امنوا أي المنافقين لولا نزلت سورة ، فإذا أنزلت سورة وذكر فيها القتال ، انتبه الى ازدواجية القول المتناقض مع العمل ، رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ{20}
وضع الله سيكولوجية المنافق في فرضية ، لكشف ازدواجية القول المتناقض مع العمل، لو ان الله انزل سورة تحث المنافقين على القتال لصبح قتالهم في واد ، وقتال المؤمنين في واد أخر ، ان توحيد الساحات يعزز من وحدوية العمل الميداني ويقلل من مخاطر التحديات العسكرية والأمنية ، وكان ذلك واضحا في تحمل المهاجرين والأنصار الأوائل عبئ التحديات الأمنية والعسكرية التي واجهت المدينة في سنة 5 للهجرة ، ونظر لتسارع الأحداث على الساحة الأمنية كثف محمد من اجتماعاته بالمؤمنين ، لدراسة أخر المستجدات على الساحة العسكرية ، فكان يحضرها الذين كفروا من أهل الكتاب ، والمنافقين من الأعراب وأهل المدينة ، فلم يكن حضورهم لطاعة أو لهداية إنما للاستهزاء ، قول معروف وطاعة خيرا لكم من الاستهزاء ، قال الله طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر أمر القتال ، فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ، فهل بإعراضكم وتوليكم أيها المنافقون عن الإنفاق والقتال في سبيل الله هدف لتمزيق المدينة وقطع الأرحام باستباحة عسكرية ، قال الله فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ، ان كان كذلك ، أولئك الذين لعنهم الله فاصمهم وأعمى أبصارهم
طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ{21} فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ{22} أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ{23}
قلنا نظرا لتسارع الأحداث على الساحة الأمنية كثف محمد من اجتماعاته بالمؤمنين ، لدراسة أخر المستجدات على الساحة العسكرية ، فكان يحضرها الذين كفروا من أهل الكتاب ، والمنافقين من الأعراب وأهل المدينة ، فلم يكن حضورهم لطاعة أو لهداية إنما للاستهزاء ، قال الله ومنهم من يستمع إليك ، حتى إذا خرجوا من عندك ، قالوا للذين أتوا العلم ماذا قال أنفا ، أنفا تعني ماذا قال قبل قليل استهزاء لعدم الرغبة بالطاعة ، أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهوائهم ، والذين اهتدوا زادهم هدى واتاهم تقواهم ، رد التنزيل على المستهزئين ، وعلى الذين أرادوا سورة محكمة عن القتال ، وعلى الذين ارتدوا عن إيمانهم من المنافقين قائلا ، أفلا يتدبرون القران وما انزل فيه من آيات تحث على القتال ، أم على قلوب أقفالها ، ان الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ، الشيطان سول لهم وأملى لهم
أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا{24} إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ{25}
لعب شياطين الدين السياسي لأهل الكتاب ، دورا كبير في تحريض المنافقين على عدم الامتثال لوصايا الله في الإنفاق والقتال ، طارحين عليهم مناورة سياسية سرية يناورون بها أمام المؤمنين ، تبعد نفاقهم من جهة ، ومن جهة أخرى ، تعكس تفاعلهم مع بعض وصايا التنزيل وليس كلها ، بمعنى كلمة حق يراد بها باطل ، ونظرا لخطورة العمل السري السياسي في تدمير عقيدة المؤمنين بالله واليوم الأخر كشف الله المؤامرة ، قائلا ذلك بأنهم قالوا أي شياطين الدين السياسي لأهل الكتاب ، للذين كرهوا ما انزل الله أي المنافقون ، قول المنافقون موجه للذين امنوا ، سنطيعكم في بعض الأمر ، والله يعلم أسرارهم ، أي أسرار الاتفاق السري
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ{26}
أمن أهل المدينة بالله واليوم الأخر خوفا من العذاب الأخروي ، ولكن بعد التطورات الميدانية والعسكرية كالإنفاق والقتال ارتد البعض منهم عن إيمانه ، عرض التنزيل على المنافقين حلفاء الشيطنة السرية للدين السياسي ، نمط العذاب الأخروي قائلا ، فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ، ذلك بأنهم اتبعوا ما اسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم
فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ{27} ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ{28}
ان الاختلافات الاعتقادية والتوجهات السياسية لمجتمع المدينة ، جعل الدين السياسي لأهل الكتاب يتعامل مع المؤمنين بالله بشيطنة سرية ، ظاهرها حق يُعلي باطل مخفي ، ظهر النفاق الديني كفكر سياسي في القرن الثالث الميلادي بعد انشقاق كتاب الإنجيل ، فالانشقاق بمثابة طفرة نوعية في انثروبولوجيا الاعتقاد البشري وتحول جديد من العقائد الصحيحة الى أديان سياسية ، أبرزها الصراع السياسي التاريخي ما بين اليهودية والمسيحية القائم الى يومنا هذا ، فالدين السياسي عبارة عن تعاليم سرية ، تنطلق من المحافل كتوصيات الى جهات أخرى لها علم واطلاع بجيوثقافة المصالح السياسية والاقتصادية للقوى الامبريالية ، فتلك الجهات هي من تقوم بتنفيذ تلك الجيوثقافة ، كأعراب البترودولار، أو ربما الاستعانة بأقليات دينية تدعم طوائف دينية أخرى لنفس الغرض ، ولا استبعد ان توصيات المحافل الدينية السرية ، تدار من قبل عناصر استخباراتيه أو مخابراتية
ومن خلال قراءتنا للكتاب المقدس بشقيه القديم والجديد ، وجدنا ان التعاليم الدينية التي انطلقت من روما الى أوربا بشقيها الشرقي والغربي ، أشبه بتوصيات الأمن السياسي ، واقرب وصف لذلك قصة ما بعد العشاء الأخير التي بدأت باعتقال يسوع المسيح وانتهت بإعدامه ، ومن ذلك التشبيه الروائي التاريخي انبت ثقافات سياسية عالمية أنتجت امبريالية متسلطة ، فما أشبه اليوم بالأمس ، فالسرية السياسية التي تعامل بها الدين السياسي لأهل الكتاب مع منافقي المدينة للإطاحة بالمؤمنين ، هي نفس السرية السياسية التي تعاملت بها الامبريالية الأمريكية مع أعراب البترودولار للإطاحة بالدول الرافضة للرأسمالية المقيتة ، كسوريا والعراق وليبيا واليمن
لا لوم على أهل الكتاب لأنهم كرهوا ما انزل الله ، إنما اللوم على المؤمنين المنافقين ، قال الله أم حسب الذين في قلوبهم مرض نفاق ، ان لن يخرج الله إضغانهم ، أحقادهم الخفية ، ورغم سرية العمل ألنفاقي ما بين أهل الكتاب والمنافقين ، إلا ان الله لم يذكر أحدا منهم ، مكتفيا بفضح أقوالهم المتناقضة مع العمل الميداني ، قال الله ولو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم أي بأشكالهم وأسمائهم ، لكن الله لا يريد هذا ، إنما أراد من لحن القول والعمل المتناقض وسيليه لكشف أسرارهم ، ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ، ان التطورات الميدانية كالهجرة والقتال والأنفاق بمثابة اختبار وابتلاء للذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ، قال الله ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ، والصابرين ونبلو أخباركم
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ{29} وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ{30} وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ{31}