|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عادل محمود
2025 / 11 / 7
"عروستي" عنوان يعد بالبساطة والمرح ، لكنه يستر وراءه إشكاليات عميقة تعكس ماوصل اليه حال قطاع من السينما المصرية اليوم. فيلم يغازل الجمهور بخفة الظل والطلة البراقة ، لكنه يغرق في مستنقع الإبهار المجاني وتكريس السطحية. ما يدعونا لتأمله ليس كعمل فني بالمعنى الدقيق ، بل كمؤشر صارخ على ما يروج تحت شعارات "السينما الشبابية" أو "أفلام الجيل الجديد".
ينتمي "عروستي" إلى ما يمكن وصفه بـ"سينما الكمبوند" ، حيث يطغى الموقع الفخم والديكور المتلألئ وتصفيفة الشعر على جوهر الحكاية. الكاميرا لا تكاد تلقي نظرة على أزمة اجتماعية أو نفسية ، بل تنشغل بتوثيق أناقة المكان ولمعان الأزياء. كل لقطة تقدم عالما أشبه بكتالوج إعلاني ، خال من الضغوط ، منفصل عن الهموم المادية ، منزه عن القبح ، وبالتالي ، بلا نبض حقيقي للحياة.
ليست المشكلة في تصوير الرفاهية ، بل في "تجميل" الواقع قسرا. حين يتحول الفيلم إلى عرض للعقارات والأزياء ، يسقط من علياء التعبير عن الوجدان الجمعي إلى حضيض الترويج لنمط حياة لا يعيشه سوى قلة ، فيصبح الفيلم إعلانا مطولا لا عملا سينمائيا.
قصة الفيلم لا تخرج عن النموذج المتكرر : لقاء ، تقارب ، أزمة ، ثم نهاية سعيدة. التكرار ليس جرما إذا حمل تجديدا ، لكن الكارثة تكمن في إعادة إنتاج النموذج ذاته بلا روح أو عمق ، وعرض الأزمات بافتعال يهين ذكاء المشاهد.
يزعم أن "دليلة" تخضع "شريف" لسلسلة اختبارات نفسية بسبب جراح طفولتها ، لكن هذه الاختبارات تبدو حبكات ميكانيكية تخدم سردا هشا أكثر من كونها تعبيرا عن صدمة حقيقية. الحل الدرامي نفسه يأتي عبر "مقلب" أشبه ببرامج المقالب ، ليس له أساس في المنطق السيكولوجي أو السردي. يطرح سؤال جوهري : هل الضغط النفسي والإذلال العاطفي هما اختبار للحب ؟ وهل هكذا تعالج صدمات الماضي ؟
هنا يكمن أحد أخطر إشكاليات الفيلم. "دليلة" ليست مجرد ضحية عنف أسري ، بل تقدم أيضا كشخصية هستيرية عصبية يصعب تفهم دوافعها. الخطر لا يكمن في السرد فقط ، بل في الرسالة الضمنية : أن المرأة المستقلة أو المتشككة في الحب هي مشكلة تحتاج إلى "تأديب" وإعادتها إلى "طبيعتها" التقليدية.
تختزل معاناة نفسية عميقة إلى مجرد "دلع "، ويصبح "العلاج" عبر إثارة الغيرة. هذا الاختزال الفج لا يعكس سطحية فحسب ، بل يعزز صورا نمطية ضارة ، ويسخف قضايا إنسانية تستحق معالجة جادة.
يمتلك أحمد حاتم وجميلة عوض كاريزما طاغية ، لكن حضور النجم وحده لا يصنع أداء متماسكا. إقحام نجوم السوشيال ميديا دون خبرة تمثيلية كافية تشوش توازن المشاهد ، فتحولت الأدوار المساندة إلى ديكور بشري ضمن استراتيجية تسويقية. ظل التمثيل أسير نبرة واحدة : الخفة والتهريج ، حتى في اللحظات المفترض أن تحمل جرعة من التوتر أو العمق.
صحيح أن الفيلم حقق أرقاما مرضية في شباك التذاكر ، وتصدر "الترندات" الرقمية ، لكن هل يبرر الإقبال التجاري تخلفا فنيا ؟ هل معيار نجاح السينما اليوم هو عدد "المشاهدات" و"الإعجابات" ، أم الأثر الفكري والجمالي الذي يخترق وجدان المشاهد ؟
قد يمنح "عروستي" الجمهور مهربا مؤقتا من واقعهم ، لكن الفن الحقيقي لا يكتفي بتجميل الواقع ، بل يدعونا لتأمله وإعادة اكتشافه. السينما ، في رؤيتي ، ليست ترفيها عابرا فحسب ، بل فعل مقاومة ضد النسيان والابتذال.
أجمل ما في "عروستي" هو صورته البصرية المتقنة ، لكنها ذاتها تعد مكمن ضعفه. ففي سعيه المحموم للإبهار ، ينسخ الفيلم مشاهد عالمية دون أن يمنحها روحا خاصة. الإلهام من السينما العالمية مشروع وضروري ، لكنه لا يغني عن الحاجة إلى لمسة أصيلة تتحول معها الاقتباسات إلى شئ جديد ذي هوية ، لا مجرد تقليد أجوف.
"عروستي" ليس فشلا ذريعا ، لكنه أبعد ما يكون عن النجاح الفني. هو ببساطة نتاج معادلة تجارية صارمة : حبكة رقيقة ، تسويق ضخم ، نجوم جذابون ، وديكورات فاخرة ، تكفي لضمان نجاح مؤقت في السوق. لكنها لا تكفي لإضافة لبنة للسينما ، أو إثارة سؤال جاد ، أو تحفيز تأمل طويل الأمد.
هو فيلم يشبه صورة معدة بعناية على "إنستجرام" : كل شئ فيه لامع ومبهج ، لكنه يفتقر إلى الروح والعمق.
الفن الحقيقي لا يقاس بضحكاتك أثناء المشاهدة ، بل بتأملاتك بعد انتهاء العرض ، و "عروستي" ، للأسف ، ينتهي بانطفاء الشاشة وتبدد الضحكة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |