|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
أحمد فاروق عباس
2025 / 11 / 7
لا نستفيد نحن من تجاربنا أبدا، ومازلنا هواة في السياسة الدولية، وخبرتنا - وخاصة طبقاتنا المثقفة - بالدنيا مازالت سطحية في أغلبها ، ومازلنا نهتم ‐ في السياسة - بالمظهر وننسي جوهر الامور... لذا يمكن خداعنا دوما... وبسهولة.
وقصة صعود الهندي المسلم زهران ممداني إلي منصب حاكم نيويورك تنتمي الي هذا النوع من الألاعيب التي طالما برع فيها الامريكان، وبرغم سجلهم شديد الإجرام في كل مكان حول العالم، يستطيعون دوما القفز فوق ذلك بألعابهم البهلوانية تلك التي تجد دوما - للأسف - من يصدقها...
واي خبرة بسيطة بالنظام السياسي والاقتصادي الأمريكي ومحركاته الخفية سيدلنا ان ما حدث مع السيد ممداني لعبة كلاسيكية معتادة في السيرك السياسي الأمريكي...
وسيعرف ان كلا الحزبين في أمريكا هما جناحين لنفس الطبقة الحاكمة في الحقيقة والواقع، وهي طبقة رأس المال الأمريكي الكبير، وأن رأس المال الأمريكي الكبير متحالفا مع بيروقراطية الدولة الأمريكية - في جناحها المدني والعسكري والأمني- هو من يتحكم بصورة كاملة وحصرية في المشهد السياسي الأمريكي الداخلي...
وان كل مرشح للكونجرس - مجلسي النواب والشيوخ - ومرشحي حكام الولايات ومرشحي الرئاسة وراءهم جناح أو أكثر من اجنحة الطبقة الحاكمة او جهاز من أجهزة الدولة العميقة في الولايات المتحدة...
ولا يختلف ممداني - ولا يختلف غيره - عن تلك القاعدة العامة...
فمن الصعب جدا علي أي مرشح مهما كان لا ترضي عنه تلك المؤسسة الحاكمة ان يجد فرصته، وإلا كيف سيترشح علي بطاقة حزب معين من الحزبين الوحيدين في السياسة الأمريكية، وكيف سيجد تمويلا لحملته، في بلد المال هو عصب السياسة....
كثيرون منا صدقوا الصورة التي صنعتها وسائل الدعاية الامريكية عن الرجل العصامي، اليساري، الذي التف حوله الشباب، متحديا سلطة رأس المال الأمريكي وسلطة رئيس الدولة !!!
تمثل قصة تصعيد زهران ممداني في الحزب الديموقراطي الأمريكي واعطاءه منصب حاكم ولاية مهمة كنيويورك إعادة إنتاج لقصة قديمة كان مقصودا بها العرب والمسلمين - مثل قصة اليوم - وهي قصة تصعيد باراك حسين اوباما داخل الحزب الديموقراطي الأمريكي الي عضوية الكونجرس ثم تقديمه مرشحا رئاسيا فائزا... دخل البيت الأبيض في يناير ٢٠٠٩ ...
ونفس الصورة التي تم رسمها لممداني اليوم سبق رسمها من ١٧ سنة لباراك أوباما.. الرجل اليساري.. التقدمي... الذي يأتي من خارج المؤسسية الأمريكية ومناهضا لها... والذي يحاول اصلاح واشنطن من عصبة المال وكهنة السياسة الذين يتحكمون بها !!!
وهي نفس الصورة التي تم رسمها لبيل كلينتون في بداية التسعينات... ونفس الصورة التي تقديم جيمي كارتر بها في السبعينات... ووسائل الاعلام والدعاية والتأثير الأمريكية بارعة في هذا المجال بالتحديد...
وربما يذكر الناس ان الصورة التي تم رسمها لكارتر في منتصف السبعينات هي صورة رجل نقي متدين يحاول تنظيف العاصمة الأمريكية من السياسيين الفاسدين !!!
صورة تاجر الفول السوداني القادم من ولاية جورجيا وفي يده الانجيل يحاول بكلمة الروح القدس أن يعيد الروح الي دولة مزقتها الصراعات...
وربما يتذكر الناس الصورة التي تم رسمها لكلينتون في التسعينات كانت صورة الشاب الذكي، التقدمي، القادم بلا أي معين من إحدي الولايات المنسية في أمريكا - ولاية أركانسو - والذي رفض المشاركة في حرب فيتنام كجندي، والذي يقف أمام واحد من عتاة السياسة في أمريكا... وهو جورج بوش الاب... الذي عمل مديرا للمخابرات الامريكية في عهد فورد، ونائبا للرئيس في عهد ريجان.. ثم رئيسا لأمريكا في أواخر الثمانينات... وصدق الناس في امريكا ذلك التهريج وانتخبوا كلينتون لفترتين....
وكما يذكر الجميع فقد عهد الي أوباما الاعداد والترتيب ثم تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع الشرق الأوسط الكبير .. وهي مرحلة الربيع العربي... التي بدأت أواخر ٢٠١٠ ومثلت سيلا جارفا او تسونامي جرف أمامه نظما حاكمة وأفكار راسخة وتقاليد مرعية ومؤسسات لها مكانتها في بلادها....
واليوم مع زهران ممداني تعاد قصة باراك أوباما مرة أخري... بصورة أصغر بكثير... ولأهداف مختلفة...
وأوجه الشبه بين الإثنين - ممداني وأوباما - متقاربة ، والغرض من تصعيدهما الي مقدمة المسرح السياسي قريب...
فكلاهما ينتمي الي الحزب الديموقراطي في أمريكا، والحزب الديموقراطي في أمريكا هو حزب الاقليات - الشعوب المهاجرة الي أمريكا كالهنود والكوبيين والعرب والايرلنديين واليهود وغيرهم..
والحزب الديموقراطي في أمريكا هو حزب اليسار... واليسار وأفكاره في أمريكا يختلف بصورة كاملة عن اليسار الكلاسيكي أو اليسار الاشتراكي في الاتحاد السوفيتي السابق او الصين أو التجربة الاشتراكية العربية... في مصر والجزائر وسوريا والعراق...
اليسار في امريكا يتحرك في أهم وأكبر قلاع الرأسمالية في العالم، وهو يسار " مصنوع " بالكامل في المختبرات الفكرية والثقافية والايديولوجية الامريكية، ويعمل - بلا تحفظ - في خدمة مصالح الدولة الأمريكية...
ويطلقون عليه هناك اسم اليسار الليبرالي... أو اليسار الجديد... وهو لا يحمل من اليسار القديم - الحقيقي والجذري - سوي إسمه !!!
ربما لا يعرف كثيرون أن ممداني جاء الي مصر - كما تقول روايات قوية - عام ٢٠١٣ في ذروة الاضطرابات السياسية فى البلاد، ولا يعرف أحد طبيعة المهمة الحقيقية التي جاء من اجلها الي مصر حاكم نيويورك الجديد !!!
خلاصة القول أن زهران ممداني هو إبن تقليدي من ابناء السياسة الأمريكية المعاصرة ويعكس صورتها، وليس لديه حلم كما يقول، بل لديه دور مطلوب منه أن يؤديه... ومن أجله فتحت له الطرق وافسحت أمامه السبل... في لعبة قديمة جديدة، لا تمل السياسة الأمريكية من تقديمها لجمهور سريع النسيان....
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |